في فيلم وثائقي تزامن مع الذكرى الـ 33 لاغتياله القبس تستحضر تجربة ابنها البار ناجي العلي

في فيلم وثائقي تزامن مع الذكرى الـ 33 لاغتياله القبس تستحضر تجربة ابنها البار ناجي العلي

تم النشر في 22 يوليو 2020

المشاهدات: 14598



عبدالله سالم -

أنتجت القبس فيلماً وثائقياً عن ابنها البار رسام الكاريكاتير الراحل ناجي العلي، تزامناً مع الذكرى الـ 33 لاغتياله.

ناجي العلي، الغصن الذي تم اقتلاعه من «الشجرة»، تلك القرية التي ولد فيها عام 1936، والواقعة بين مدينتي طبريا والناصرة في فلسطين المحتلة من البحر إلى النهر.

تلك الشجرة، القرية التي نبتت فيها الكثير من الأغصان الفلسطينية الوارفة، ومن بينهم كان منشد الثورة الفلسطينية إبراهيم محمد صالح الشهير بأبو عرب.


اتجهت عائلة ناجي إلى لبنان واستقر بها المقام في مخيم عين الحلوة الذي شهد سنوات تمرد ناجي الأولى على الواقع البائس، فتنقّل في مهن عدة قبل أن يختار الطريق الذي سيقوده إلى حتفه في نهاية المطاف.

كان ناجي الفلسطيني مولداً، الكويتي احتضاناً، العروبي انتماءً، يحمل روحه على ريشته، يعرف أن أعداءه كُثر وأن قلم الرصاص الذي يستخدمه في رسوماته أشد حدة من نصل السيف وأعلى دوياً من صوت البارود. لكنه مع ذلك واصل نقده اللاذع تارة لأنظمة تهاونت أو تآمرت على القضية الفلسطينية، وتارة أخرى لفصائل من بني جلدته انحرفت بوصلتها عن طريق الحق التاريخي.

مسيرة شائكة كتلك التي اختطها ناجي لنفسه كانت نتيجتها الحتمية أن تخلق له الكثير من الأعداء، خاصة في مجتمع شرقي لا يتقبل النقد بصدر رحب.

بدأت الأيام الأكثر صعوبة لناجي حينما رسم كاريكاتيراً ينتقد فيه النفوذ الواسع لرشيدة مهران داخل منظمة التحرير الفلسطينية.

محمد جاسم الصقر: ناجي كان لا يخاف.. وأبعدوه عقاباً لـ القبس



الفيلم الوثائقي الذي أنتجته القبس يتضمن العديد من الشهادات ممن عاصروا ناجي العلي في القبس أو خارجها، وكان رئيس تحرير القبس السابق محمد جاسم الصقر (1983 - 1999)، قال في مقابلة سابقة مع بي بي سي «خيّرت ناجي أن يذهب إلى أي مكان في العالم العربي، بعدما أُبعد من الكويت، قال في العالم العربي سيقتلونني، فقلت له اذهب إلى مكتبنا في لندن، وفعلاً ذهب إلى لندن، أُبعد عام 1986 هو وأحمد مطر و26 صحافياً أبعدوا عقاباً لـ القبس».

كاريكاتير رشيدة مهران

وأضاف الصقر «كان ناجي يبعث 3 رسومات كاريكاتير، وأنا أختار واحداً منها، في ذلك اليوم كنت في إجازة صيفية في سويسرا، وفي آخر لحظة أرسلوا الكاريكاتير، تحدثت مع مدير التحرير، واخترت واحداً، لم يعترض عليه أحد، الكاريكاتير عن فلسطيني يريد الترشح لاتحاد الكتاب والصحافيين الفلسطينيين، ويظهر فيه حنظلة وهو يسأله هل تعرف رشيدة مهران؟ فيجيب أنه لا يعرفها، صباحاً اتصل بي رفله خرياطي مدير تحرير القبس مدير مكتبنا، يخبرني أن هناك تهديداً لناجي العلي، قلت له ممن؟ قال لا أحد يعلم، اتصلت بناجي، وكان لا يخاف، ثم اتصلت بأبو اياد الذي كان موجوداً في تونس، وكانت تربطني به علاقة جيدة، فقال لي إن ناجي خرّبها، وهذا الكاريكاتير كان يجب ألا ينشر».

وتابع الصقر حديثه قائلاً «علمت قبل اتصالي بأبو اياد من يقصد برشيدة مهران، وقلت لأبو أياد بدّك تدبّرها، ذهبت إلى لندن وأقنعت ناجي أن يذهب إلى أدنبره، عندنا صديق مشترك هناك، وعدني أنه سيذهب في اليوم التالي صباحاً إلى أدنبره، لكنه لم يذهب، وكان أبو أياد هو من نصحني، اتصلت بأبو أياد مرة أخرى، وقال لي انه قد تم احتواء الموضوع، انتهت القصة، لكن أرجوك يجب على ناجي ألا يتطرق لهذا الموضوع، أخبرت ناجي بذلك، قال لي سأرسم وسأوزعها بطريقتي الخاصة، لا تنشرها لي أنت، قلت له إذا أعطيتني رسماً سأنشره، قلت له أرجوك حافظ على شعوري فإذا رأيت منك رسماً جميلاً لا أستطيع أن أمتنع عن نشره، كانت لي علاقة خاصة مع ناجي».

وأكمل الصقر «في يوم من الأيام كنت ألعب الاسكواش مع صديقي مشاري العنجري، رجعت وإذا بالمدير العام في الكويت أحمد النجدي ورفله خرياطي قد اتصلا بي مراراً على الفندق، فاتصلت برفله وقال لي إن ناجي تعرض لاعتداء قبل نصف ساعة، عند الساعة الخامسة يوم 22 يوليو عام 1987».

جاسم أشكناني: الصقر كان مهدداً بالاغتيال

يقول مستشار رئيس تحرير القبس جاسم أشكناني إن «الكثيرين لا يعرفون أن ناجي العلي يكنّى بأبي خالد لأنه كان من عشاق الراحل جمال عبدالناصر، وكان معجباً به لدرجة أنه أطلق على ابنه البكر اسم خالد تيمناً باسم خالد ابن جمال عبدالناصر، الأمر الآخر الذي لا يعرفه الناس أن ناجي كان بدأ كعامل ميكانيكي سيارات في السعودية في نهاية الخمسينات، ثم ظهرت موهبته،

وأضاف أشكناني أن «محمد جاسم الصقر ذهب إلى لندن بعد إطلاق النار على ناجي العلي رغم أنه كان نفسه مهدداً بالاغتيال أكثر منه».

أحمد الصراف: رسومات ناجي.. وحزن حنظلة

يشرح الروائي الكاتب في القبس أحمد الصراف شخصية ناجي بقوله: «بشكل بسيط جدّاً، نستطيع أن نرى ناجي العلي؛ إذ لا يمكن أن نجد في رسومات ناجي سيارات فارهة أو شخصيات تبتسم، بل هي حزينة، أعماله الفنية فيها حزن، قليلة الكلام غالباً، فيها فقر حتى حنظلة الذي رسمه قد رقّع ملابسه برقعة خارجية تختلف عما يرتديه، فهو يتكلم عن البؤس والشقاء والفقر والظلم الذي تعرّض له هو وقضيته ووطنه، بدل أن أجيبكم من هو ناجي العلي، أعرض لكم 20 كاريكاتيراً، فتعرفون من هو ناجي».

حامد الحمود: الشجرة.. والسيد المسيح


يقول الكاتب في جريدة القبس الدكتور حامد الحمود العجلان إن «ناجي العلي هو وليد الطبقة الفقيرة التي ينتمي إليها، ولد في قرية فلسطينية، اسمها الشجرة في الجليل الأعلى، وهي المنطقة التي وُلد فيها السيد المسيح، وسُميت الشجرة، لأن السيد المسيح كان يستفيئ بالظل من الشمس فيها، ومثل كثيرين من الفلسطينيين هاجر إلى لبنان في عام 1948 كان عمره تجاوز السنوات العشر، وناجي اختار لاحقاً أن تكون شخصية حنظلة التي ابتكرها في الكويت بعمر السنوات العشر، عاش في مخيم عين الحلوة في صيدا ودرس في المدرسة، ورأى أنه متميز في الرسم، بالإضافة إلى أن لديه وعياً سياسياً في سن صغيرة».

أما فاطمة فواز، حرم الكاتب أحمد الصراف، فتقول عن ناجي: «كان مدرساً لمادة الرسم في المدرسة التي كنت طالبة فيها، كان ليّناً هادئ الطباع، يتعامل معنا بالهدوء والسكينة، ولم يكن يغضب علينا إذا قصّرنا في واجباتنا، كان يشبه حنظلة، رسمته التي نشرها في القبس».

خالد العلي: التحقيق مستمر

يؤكد خالد العلي، نجل الراحل ناجي، أن والده «يتمتع باحترام وتقدير قطاع كبير من الشعب الفلسطيني والعربي، وحتى على المستوى العالمي حتى الآن يتم تداول أعماله، ويُكتب عنه وعن أعماله وعن الشخصيات التي ابتدعها، وأهمها حنظلة، يُكتب عن الوالد في الصحف والكتب والمجلات وتُنتج له الأفلام».

ويوضح أن «السلطات البريطانية لم تغلق ملف التحقيق في اغتيال الوالد، بل كانت تراجعه من وقت لآخر، وفي آخر مراجعة عام 2017 رأت السلطات البريطانية أن هناك بعض الدلائل والخيوط التي يجب ملاحقتها والنظر إليها، وعلى هذا الأساس تم فتح التحقيق مرة أخرى، فالتحقيق لا يزال جارياً، ونأمل في أن ينتهي بنتيجة يُكشف فيها عن ملابسات هذه الجريمة».

حمزة عليان: قنبلة يومية

استذكر مستشار تحرير الزميلة صحيفة الجريدة حمزة عليان الراحل ناجي العلي، قائلاً «كان ناجي يدخل إلى مكتبه بهدوء، ومشيته تشبه حنظلة تماماً، لا يلتفت يميناً ولا يساراً، يجلس وراء مكتبه، يرسم، لا أحد يدخل عليه المكتب، بعد أن يفرغ من تجهيز أكثر من رسمة، يقدمها إلى المخرج الفني، أو مدير التحرير، يتشاورون بشأنها، هل بالإمكان نشرها أو ترفض، أو تعدل، ناجي كان دائماً يرفض رفضاً تاماً أي تعديل على رسمته، إما أن تنشر كما هي أو لا تنشر، كان الأستاذ محمد جاسم الصقر يردد أن ناجي العلي يرمي يومياً قنبلة بين أيدينا، لا أحد يعلم متى ستنفجر، كان ناجي العلي يقول دائماً رسوماتي تحريضية، أنا أبشّر بولادة جديدة للإنسان العربي، ليس هدفي عملية تجميل أو تزيين هذا الموقف أو تلك الشخصية أو ذاك الحاكم».

ويضيف عليان: «وفقاً للأرقام، ناجي العلي أنتج أكثر من 40 ألف رسم كاريكاتير، وهو يمثّل جيلاً منكسراً، ولم يكن يعبّر فقط عن الجيل الفلسطيني الذي يطمح إلى العودة إلى وطنه وأرضه، بل عن فئات مقهورة ومسحوقة، خصوصاً حينما كان يرسم فاطمة وزينب أيام الحرب الأهلية في لبنان أو في غيرها من الأحداث».

ويضيف عليان أن «صحيفة نيويورك تايمز كتبت تقريراً عن ناجي العلي، قالت فيه إن من يرد أن يعرف السياسة الأميركية في المنطقة العربية فعليه أن يضع عينه على رسومات ناجي العلي، فهو البوصلة والمؤشر لمعرفة هذه السياسة تجاه العالم العربي».

سعدية مفرح: حضور.. رغم سنوات الغياب

ترى الأديبة الكاتبة في القبس سعدية مفرح أن «ناجي العلي لا يزال موجوداً حتى الآن كاسم وحضور وضمير حي، رغم مرور أكثر من 3 عقود من الزمن، ناجي العلي اسم لا يموت، اسم خالد في تاريخ الصحافة العربية، بل وفي تاريخ الصحافة العالمية وفي فن الكاريكاتير العالمي».

وتضيف المفرح أن «فن الكاريكاتير بشكل عام، وخصوصاً على الصعيد العربي، كان قبل ناجي مرحلة وبعده بات في مرحلة أخرى، ناجي كان يمثل مفصلاً وحركة تقدمية عالية جدّاً نقلت فن الكاريكاتير من كونه فناً محلياً ضيقاً إلى حدود عالمية، نستطيع أن نشير فيها إلى مكانة هذا الفنان الكبير، ليس فقط كرسام، بل كمثقف وضمير حي، رغم أن ناجي كرّس معظم رسوماته الكاريكاتيرية لقضية فلسطين، إلا أنه رسم الكثير من القضايا التي تهم المواطن العربي في كل مكان».

وتؤكد المفرح أن «ناجي كان يقول عن نفسه أنا لست فلسطينياً ولا مصرياً ولا لبنانياً ولا كويتياً، لكن محسوبك مواطن عربي، بهذه الروح كان يرسم ويخاطب القارئ والمتلقي العربي في كل مكان».

عبدالسلام برجي: كاريكاتير ناجي يصلنا فجراً

يقول رئيس قسم الفرز في القبس عبدالسلام برجي إن ناجي العلي «عندما كان يدخل إلى مبنى الصحيفة كان غالباً لا يتحدث إلى أحد، كان تعامله مباشرة مع رئيس التحرير السابق محمد جاسم الصقر». ويضيف برجي «كان ناجي يرسم أكثر من رسمة كاريكاتير، كانت صفحات الجريدة في تلك السنوات تُنجز كاملة مع ساعات الفجر الأولى، حوالي الواحدة أو الثانية صباحاً، إلا الكاريكاتير، كان يتأخر حتى يصلنا، ولم يكن أحد يطلع على مضمونه سوى رئيس التحرير والإدارة، كان الناس يتلهّفون لمتابعة كاريكاتير ناجي العلي صباح كل يوم في القبس».

القبس تشكر الزميل سليمان البزور


تتقدَّم القبس بالشكر إلى الزميل سليمان البزور، حيث كان وراء فكرة الفيلم الوثائقي «أكله الذئب»، والذي عكف على إعداده مع فريق العمل لفترة طويلة، والاهتمام بأدق التفاصيل، مستحضراً تجربة الراحل ناجي العلي، في دعم القضية الفلسطينية؛ ليثبت أن شعلة الدفاع عن حقوق فلسطين لن تنطفئ وتتوارثها الأجيال، جيلاً بعد جيل.

في فيلم وثائقي تزامن مع الذكرى الـ 33 لاغتياله القبس تستحضر تجربة ابنها البار ناجي العلي