مافيا المخالفات.. تهزم خطة تطهير الجليب

تم النشر في 3 فبراير 2020

المشاهدات: 15246



جنان الزيد -

رغم الخطة الحكومية لتطهيرها من المخالفات، وإعادة هيكلتها لا تزال منطقة جليب الشيوخ مرتعاً لكسر القانون، ولم تفلح الحملات المتواصلة من قبل جهات الدولة المعنية في الحد من الظواهر غير الحضارية التي حولت معظم شوارع المنطقة بؤرة عشوائية.

القبس التي رصدت من قبل أوضاع الجليب المزرية جالت مجدداً فيها وتابعت انتشار المخالفات، ووثّقت ما يحدث في ما يسمى «سوق الحرامية»، سمعت من الناس أبرز شكاواهم، وأمانيهم المتشابهة أحياناً، واتفاقهم في الهمّ رغم اختلاف البلدان التي وفدوا منها.

جليب الشيوخ، مرتع لكل أنواع المخالفات والتجاوزات والممارسات اللاقانونية، وكأن عصا الأمن لا تصل إلى شوارعها، ولا القانون ولا روحه يُطبّقان في الجليب والحساوي والعباسية.

قد يقول البعض إنه لا جديد في الأمر، وإن المشاهد تتكرر يومياً، لكن رصد الحياة هناك عن قرب، ودخول غرف الساكنين في البنايات المهترئة، وسماع مبررات سرقة «الحرامي» من «الحرامي»، تجعلك أقرب إلى نبض الحياة المليئة بالغرابة وكيفية دوران عجلتها.

سوق «الحرامية»

تُعرض «البضائع» بخسة الثمن على مقربة من المياه الآسنة، ورائحة المجاري تختلط بالفواكه والخضروات، ورغم ذلك تنفد البضاعة من «السوق»، بالشراء مرة وبالسرقة أخرى، فكلما شنت وزارة الداخلية حملة لمنع المخالفات وإزالة مظاهر التجاوزات، يهرب الباعة ويتركون «بسطاتهم» غير القانونية ولا المرخصة، تمضي دقائق معدودة بعد مغادرة رجال الأمن، فيتعرض السوق لـ«غارة» من السرَّاق، يضعون أيديهم على كل خضرة وفاكهة، ينهبونها، يزيلونها عن الوجود.

هل هؤلاء ضحايا تجار الإقامات؟ أم جناة مخالفون للقانون؟ أم إن وجودهم قانوني لكنهم يبحثون عن لقمة عيش بأي شكل من الأشكال؟ أياً ما كان السبب، فهم منذ سنوات استغلوا الساحات الترابية في الجليب والحساوي والعباسية، وحولوها إلى أسواق في الهواء الطلق، تباع فيها مواد غذائية «بقايا الچبرة»، وملابس مستعملة، ومستلزمات منزلية.

مستهلك مضطر

جزء مما يسمى «سوق الحرامية» يجاور مستوصف المنطقة، ففي هذه الجغرافيا ترسخت مواقع «البسطات»، واعتاد المستهلك «المضطر» أن يتبضّع منها.

المشهد يتكرر، لكن على نحو أكبر وأوسع، تزامناً مع عطلة نهاية الأسبوع، بين طرقات سكن العزاب، الكل يضع بضاعته على شكل «بسطات»، لكن قبل ذلك يزرع الباعة «جواسيسهم» على مداخل «السوق المفترضة» وعند التقاطعات، وإن حدث وحاصر رجال الأمن المكان، يفر أصحاب «البسطات» تاركين «البضائع» خلفهم أو منتشرة على الأرض.

إلى هنا والمشهد لم ينتهِ، يأتي الفصل الأخير حينما يرحل الأمنيون، فيظهر بعض سكان المنطقة ليتخاطفوا كل ما على البسطات، فيوصّف الوضع بعبارة «حرامي يبوق من حرامي».

فقر وملاذ

بعض القاطنين في الجليب من المقيمين عبَّروا لـ القبس عن تذمرهم الشديد من الوضع الراهن، الذي رأوا أنه قد يتسبب لهم بأمراض وأوبئة بسبب اتساخ المكان وعدم جهوزيته لعرض وبيع المنتجات الغذائية، لكن البعض رأى أن هذه البسطات «نعمة» له، لأن الأطعمة وما يفترض أنها «بضائع» تُباع بأرخص الأثمان، يقول هؤلاء: «لا نستطيع أن ندخل سوقاً عادياً أو معروفاً خارج منطقة الجليب لشراء فاكهة قد يصل سعرها إلى دينار ونصف الدينار، وهي ذاتها تُباع هنا بربع دينار فقط! ما نعتاش منه وما نجنيه من مال لا يجعل ذلك متاحاً لنا».

إذاً هي الحاجة دائماً وليست أحياناً، ما جعل الوضع في الجليب يستفحل، ما أدى بالمنطقة لتكون ملجأ لكل من لا يستطيع العيش خارجها، بمال قليل وإقامة «منتهية».

حتى مستوصف المنطقة، يعتبره السكان أحد أسباب سكنهم فيها، يقولون عنه إنه يوفر الدواء لهم بسعر أقل من المراكز الصحية في المناطق الأخرى، علماً أنه محاصر بمخلفات بسطات «سوق الحرامية» ويقبع وسط المجاري.

«سوق الحرامية» و«حرامية السوق»

في جليب الشيوخ، تُعرض «البضائع» بثمن بخس على شفا مياه آسنة، وتباع الفواكه والخضروات بنكهة مياه المجاري الطافحة، ورغم ذلك تنفد البضاعة، بالشراء مرة وبالسرقة مرات. كلما تهجم وزارة الداخلية على المخالفين في «سوق الحرامية» يهرب الباعة، تاركين خلفهم «بسطاتهم» بما عليها من «خيرات»، وما هي إلا لحظات حتي يُغير «حرامية السوق» على مخلفات الهاربين، لتصبح أثرا بعد عين.

هل هؤلاء ضحايا تجار الإقامات؟ أم جناة مخالفون للقانون؟ أم أن وجودهم قانوني لكنهم يبحثون عن لقمة عيش بأي شكل من الأشكال؟ أياً ما كان السبب، فهم يحيلون ساحات الجليب والحساوي والعباسية إلى أسواق مفتوحة لمواد غذائية من «بقايا الچبرة»، وملابس مستعملة لا ندري ما بها من أخطار، ومستلزمات منزلية غير معلومة المصدر.

هي الحاجة دائماً وليست أحياناً، ما يجعل الوضع في الجليب يستفحل، لتكون ملجأ لكل من لا يستطيع العيش خارجها، بمال قليل وإقامة «منتهية».

وبالطبع، ليس من اليسير معالجة واقع الجليب لما بها من مخالفات تراكمت على مدى عقود، إذ لا تزال الحلول تُطرح والجهات الحكومية تدرس، لكن السؤال الذي يتردد لدى الجميع: متى تنجو الجليب من قاع المخالفات العميق؟!

المجاري أمان!

إذا كان الخلل قد بلغ هذه المرحلة، فكيف سيكون حال الطرق مع هطول الأمطار الغزيرة؟، وللمفارقة، تلعب المجاري وأغطيتها في بعض المواقع بجليب الشيوخ دور الحاجز الذي يحول من دون وصول رجال الأمن إلى مواقع المخالفات، فأي سيارة لا تستطيع السير في بعض الطرقات، فيضطر رجال الأمن إلى الترجل من مركباتهم لإكمال الملاحقة، وهنا يكون المخالف قد توارى عن الأنظار.

تعايش

استمراراً لجهود الجهات الحكومية في تطهير منطقة الجليب، تم بالفعل بناء حائط لإغلاق كل محل مخالف، مما أدى إلى تخفيف الزحام في الشوارع، لكن حياةً نشأت ووُلدت وراء هذه الجدران، وازدادت المخالفات داخل المساكن.

مع كل هذه الأوضاع السيئة وغير المهيأة للحياة، هناك تعايش مع الواقع من سكان المنطقة، الذين تبدو عليهم الخشية من أي زائر لا ينتمي إلى منطقتهم.

سؤال

ليس من اليسير معالجة واقع جليب الشيوخ وتطهيرها من المخالفات التي نجمت وتراكمت على مدى عقود من الزمن، إذ لا تزال الحلول تُطرح والجهات الحكومية تعكف على دراسة واقعها، لكن متى ستنفذ هذه الحلول والمعالجات على الأرض؟.





مافيا المخالفات.. تهزم خطة تطهير الجليب