«القبس» رصدت المتسوِّلين أمام المساجد وفي المقابر والمقاهي.. وغيرها متكسِّبون بــ«مد اليد»!

تم النشر في 7 ديسمبر 2019

المشاهدات: 8694



جنان الزايد وحسين الفضلي ومحمد إبراهيم  - 

أمام أحد المساجد، اعتادت امرأة منتقبة الجلوس في أوقات الصلاة وبرفقتها طفلتها الصغيرة، التي لم تتجاوز العامين، تمد يدها للداخلين لأداء الفرائض، منهم من يعطف عليها، ومنهم من يتجاهلها، ولكن في غضون وقت قصير تكون قد جمعت مبلغاً من المال، ثم تعاود الكرّة في وقت الصلاة التالي، وتأتي قبل الأذان في مكانها ذاته، لكن يُلاحظ أن هذه المرأة نفسها تتنقل من منطقة إلى أخرى، حتى لا ينكشف أمرها من ناحية، ومن ناحية أخرى لتتمكّن من كسب مبالغ مالية من أشخاص آخرين لم يروها من قبل.

هذه المرأة ليست الوحيدة، التي امتهنت التسوّل وطلب المساعدة من الناس، فغيرها كثيرون، رجال ونساء من جنسيات مختلفة، ومن مختلف الأعمار، ينتشرون أمام المساجد، وفي المقابر والمقاهي وفي بعض المجمّعات، ووصل الأمر بالبعض إلى طرق أبواب الشقق والبيوت، لطلب النقود، لكن العامل المشترك في كثير من حالات التسوّل أطفال يرافقون الكبار، فالصغار «ورقة رابحة» في استعطاف القلوب الرحيمة.

ومع انتشار ظاهرة التسوّل، تطرح أسئلة نفسها؛ أبرزها: هل يستغل المتسوّلون الخير والبر والإحسان وكل صفات التراحم المتأصلة في الكويت لكسب المال؟ ولماذا لا يطرق هؤلاء المتسوّلون المنتشرون في الشوراع أبواب الجمعيات واللجان الخيرية إذا كانوا يستحقون العطف والشفقة، وعندئذ يقدمون ما يثبت أن ظروفهم صعبة واوضاعهم قاسية.

القبس رصدت ميدانياً، جانباً واسعاً من واقع المتسوّلين، وكشف التحقيق الاستقصائي عن حالات غريبة ومفارقات عجيبة عن شحاذين اتخذوا من التسوّل حرفة ومهنة ووسيلة لجني المال، حتى إن بعضهم حقّق ثراء في زمن وجيز من وراء مد اليد للناس.

كان من اللافت أن بعض المتسوّلين يدّعون المرض، ويمسكون وصفات طبية وأشعات وتحاليل مكتوبة باللغة الإنكليزية، وبالطبع لم يكن متاحاً أمام أهل الخير أن يدقّقوا ويتحروا عن صحة هذه الأوراق.

ومن خلال الرصد الميداني، وأمام مقبرة الصليبيخات، وتحديدا عند الرابعة عصرا، كل يوم تتجمّع المتسوّلات بهدف الحصول على المال من الناس لدى خروجهم عقب زيارة الموتى، كما يتجمهر المتسوّلون عند أي سيارة لحظة خروجها من بوابة الخروج للمقبرة.

بعض المتسوّلات أتين برفقة عدد من الأطفال بهدف كسب عاطفة الناس بشكل أكبر، وكان عددهم تقريبا 7 متسوّلات، جعلن من أرصفة هذا المكان مقرًا لعملهن اليومي لكسب الأموال بسهولة ولمدة ساعتين فقط، حيث إنه وعند مغيب الشمس ينتهي وقت وقوفهم أمام المقبرة.

وقال المواطن علي دشتي إنه يشاهد النساء المتسوّلات بشكل مستمر عند حضوره للمقبرة، وهناك الكثير من الناس عند خروجهم من المقبرة يقومون بالوقوف على جانب الطريق وإعطائهن المال، مؤكدا انه في الغالب لا أحد ينظر إلى حقيقة حاجة هؤلاء المتسوّلات من عدمه، حيث انه يعطي لوجه الله، وبنيّة الصدقة.

طرق الأبواب

وأضاف: ان طريقة التسوّل عند المقبرة «هيّنة» بالنسبة الى باقي الطرق، مبينا ان هناك بعض المتسوّلات من جنسيات عربية اعتدن التسوّل في مناطق معيّنة، من خلال التجوّل على المنازل، حيث تقوم بطرق باب المنزل، طالبة الأموال والغذاء من الأهالي بداعي حاجتها الماسة للأكل.

في موقع آخر، وفي منطقة الشويخ الصناعية، وتحديدا في أحد المقاهي الشبابية، اعتاد رواد المقهى على رؤية امرأة مسنّة برفقة اثنين من أبنائها تدخل إلى المقهى وتطلب المال من الزبائن، كما انها تقوم بشرح قصتها وأنها أرملة من دولة عربية وتعول أسرتها وأبناءها، ولا تعمل وتحتاج المال.

وأكد مواطنون أن ظاهرة التسوّل ليست وليدة اليوم؛ فقد تزايدت مع مرور الوقت بشكل كبير، وتوسّعت طرقها وأساليبها في بلد الخير، حتى على جانب اختيار أماكن التسوّل، لكن من الواضح أن هذه الفئة من الناس لم تكن لتمارس هذا النشاط المُجرّم لو أنها وجدت الرادع لها.

وذكر المواطنون أنه مع تنوّع اساليب ظاهرة التسوّل، فإنها تبقى مستهدفة لعاطفة الناس، بغية الحصول على المال، ووصلت الحال إلى أن نجدهم عند مخارج الجمعيات التعاونية وأبواب المساجد، وصولا إلى مداخل ومخارج المقابر، والمقاهي الشبابية.

الفقراء الحقيقيون

ورأى محمد الجاسم أن التسوّل ظاهرة يجب ألا تكون في الكويت بلد الخير والإنسانية، ويجب أن يكون هناك رادع، للحد منها، حتى لا تتوسّع بشكل أكبر، وتشمل جنسيات وفئات عمرية أكثر.

وقال إبراهيم الشمري: إن الفقراء الحقيقيين والمتعففين يذهبون إلى اللجان الخيرية وهي منتشرة في كل مكان، لكن متسوّلي الشوارع أغلبهم نصابون.

ووفق علي عبدالرحيم، فإنه يفاجأ بالكثير من النسوة يطرقن أبواب البيوت، ما يعتبر تجرّؤا على الخصوصيات، مطالبا الجهات المعنية بالتحرّك لردع هذه الظاهرة.

وكشفت الجولة أيضاً أن أغلب المساجد لا تخلو من متسوّلين أمامها، الأمر الذي يستلزم وقفة.

وتباين الرأي الشرعي بشأن إعطاء الأموال للمتسولين؛ إذ ذهب رأي بأن «التسول» حرام، لتحوّله إلى تجارة رائجة، ولا يجوز دفع الاموال لهم! في حين يجيز الرأي الآخر إعطاء السائل بعض المال للمساعدة؛ لانه من غير المعقول ان يبحث المحسن عن استحقاق كل حالة للمساعدة التي قدمها.

وبين هذه الآراء من يتعاطف مع المتسوّلين، بنيّة صادقة من دون النظر إلى حاجة المتسوّل، هل هي حقيقية أم لا؟


كويت الإنسانية

تباينت آراء المواطنين في ظاهرة التسول، ففيما أكد البعض أن المتسولين المتلاعبين شوهوا صورة الفقراء الحقيقيين وأضروا بهم، ذهب آخرون إلى عدم القدرة على التفريق بين المحتاج الحقيقي وبين المتسول الذي اخذها كتجارة، مؤكدين أن الكويت بلد الإنسانية ومساعدات اللجان الخيرية تشمل جميع الفقراء والمعوزين وتغنيهم عن ذل السؤال.

بيت الزكاة

أشار مواطنون ومقيمون إلى ان بيت الزكاة يعتبر الحاضن الأكبر للمساكين والفقراء، ويغني عن انتشار ظاهرة التسول، مشيرين إلى أنه في الآونة الأخيرة ظهرت جماعات ليست من أهل الديرة وامتهنت التسول في المناسبات الدينية والأعياد.

براءة الأطفال

كان للأطفال رأي خلال جولة القبس عبروا عنه ببراءة الصغار، مؤكدين أنه من الواجب إعطاء المتسولين حتى «لا يدعوا علينا»، مبينين انهم يكونون سعداء اذا اعطوا المتسول، وهذا ما تعلموه في المدارس والبيت.

خائفون من الكاميرا

عدسة القبس رصدت الكثير من حالات التسول، وكان المشهد مختلفاً في كل موقع، ففي احد الاماكن طلب المتسولون الرحمة، لكن تغيرت أقوالهم في موقع آخر خوفا من عدسة الكاميرا. وسرد بعض المتسولين الظروف التي يعانون منها والتي اضطرتهم إلى ذل السؤال، ومن ذلك أنهم يريدون تسديد رسوم مدارس، فيما أكد البعض أنهم يريدون توفير الدواء لأقاربهم المرضى او كبار السن.

نصب واحتيال في محل قرطاسية

اثناء رصد الكاميرا لحالات التسول، اكتشفنا طريقة عجيبة ومُبتكرة تتبعها متسولة لكسب الاموال من المحسنين وذلك من خلال دخولها الى مكتبة القرطاسية بمعية طفلتها، وبعد ان تشتري بعض الأدوات، تذهب إلى الكاشير لتطلب من احد المتسوقين دفع الفاتورة، وإذا ما عطف عليها أحد الزبائن المتواجدين في المكتبة، ودفع ثمن ما اشترته، تقوم فور انصرافه بإعادة الأغراض واستبدالها بالكاش وبذلك تكسب من كل محسن مبلغاً، وفي الحقيقة هي مجرد نصابة وتاجرة.

السمان: يجوز إعطاء «مجهول الحال»

اعتبرت الأستاذة في كلية الشريعة بجامعة الكويت د.سوزان السمان أن إعطاء السائل جائز شرعا، لقوله تعالى «والذين في أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم».

وأكدت السمان لـ القبس جواز إعطاء السائل، من باب أنه «مجهول الحال»، ولا يلزم من المحسن البحث والتحري عن السائل إذا كان محتاجاً حقيقياً ام لا، ويقع اللوم فقط على السائل الذي يتوجب عليه تحري الحلال والحرام.

«الداخلية»: إبعاد 33 متسولاً خلال 11 شهراً
اكدت مصادر أمنية أن وزارة الداخلية بأجهزتها المختلفة، تحارب ظاهرة التسول التي يستغلها بعض ضعاف النفوس في الحصول على الأموال بطرق غير شرعية.

وكشفت المصادر عن إبعاد 33 متسولاً من النساء والرجال منذ بداية العام الجاري وحتى نهاية نوفمبر الماضي، وذلك عقب ضبطهم في الأسواق والمقاهي، وخصوصاً خلال الشهر الفضيل، حيث يستغل غالبيتهم الأجواء الروحانية لممارسة نشاطه الإجرامي.

وشددت المصادر على أن الإجراءات المشددة التي تقضي بالابعاد لا رجعة فيها، وان كل من يمتهن التسول سيتم إبعاده فورا عن البلاد، مع اتخاذ الإجراءات القانونية والعقابية بحق كفلائهم.

واوضحت أن التعليمات الصادرة واضحة وصريحة، وتنص على وضع بلوك على الشركة التي تستقدم أشخاصاً بسمة زيارة وضبطوا بتهمة التسول، أما من لديهم إقامات صالحة على كفالة شركات، ويتم ضبطهم وهم يتسولون فيتم اتخاذ عقوبات مشددة بحق الشركة، وبالنسبة للمرأة التي تقيم في البلاد وفق المادة 22 (التحاق بعائل) ويتم ضبطها بتهمة التسول فعقوبتها الإبعاد مع جميع أفراد أسرتها.

وأوضحت أن الإدارة العامة لشؤون مباحث الإقامة ترفع تقارير مستمرة عن وضع ونشاط الشركات والمؤسسات والأفراد المتواطئين مع المتسولين، وتوصي بعدم السماح لهم مطلقا بالكفالة لجلب عمالة، أو زيارة وخلافه.


الطواري: الطلب من الناس حرام شرعاً

«متعهِّد» يجلب 70 شخصاً بسمات زيارة..  وينشرهم أمام المساجد

قال الأستاذ في كلية الشريعة بجامعة الكويت د.طارق الطواري: إن التسوّل برأي الشرع ممنوع وحرام، ولا يجوز الطلب من الناس، مستندا إلى الحديث الشريف «لا تزال المسألة بأحدكم حتى يلقى الله تعالى، وليس في وجهه مُزعة لحم»، أي إن الشخص الذي يسأل الناس يُريق ماء وجهه.

ويرى الطواري أن قضية التسوّل تحوّلت الى تجارة رائجة، بالشواهد التي يراها تكرارا و مرارا، على سبيل المثال «تخرج امرأة في الشتاء البارد، وبيدها طفل رضيع، وتحاول استعطاف الناس»، موضحا أنه لا يجوز دفع المال لهذه الفئة.

وأكمل الطواري: قد يكون التسوّل تجارة، متسائلاً: «هل من المعقول هذا الدينار الذي يدفعه الشخص للمتسوّل سيسهم بدفع رسوم مدارس الأبناء أو الإقامة؟

وأشار الطواري إلى ان العملية في تطور ملحوظ، خاصة في المواسم الدينية؛ مثل شهر رمضان، لافتاً الى ان هناك متخصصين بهذه التجارة، بحيث يقوم «المتعهد او التاجر» باستقطاب اكثر من 70 زائرا بفيز، ويوزّعهم في المساجد أو بالاماكن العامة، فتتدرج العملية اولا بالتسوّل من الناس، ثم تمتد إلى طلب المساعدة من اللجان الخيرية، وبذلك يضرب عصفورين بحجر واحد.

وأعطى الطواري مجموعة من الحلول الجذرية، منها النزول الى الشارع، وجمع كل الحالات و دراسة وضعهم بصورة اقرب، إضافة إلى وضع أكشاك لهم يتكسّبون منها إذا كانوا بحاجة الى ذلك، أو أن يقوم بيت الزكاة، وهو المسؤول المباشر من قبل الدولة بجمع كل هذه الحالات ليصرف لهم المساعدة، ولا يجوز ترك هؤلاء بالشوارع.

وطالب وزارتي الداخلية والشؤون بعدم معاقبة المتسوّلين، بل وضع حلول مفصلية لهم، خاتما بقوله: «عن نفسي مع ما في قلب الانسان من رحمة، لا أعطي المتسوّل المال، لان منحه المال اليوم وفي المكان نفسه تجده بعد عام جالساً يتسوّل حتى بات الأمر وكأنه وظيفة له، ونحن نشجّعه عليها!».

«القبس» رصدت المتسوِّلين أمام المساجد وفي المقابر والمقاهي.. وغيرها متكسِّبون بــ«مد اليد»!