آخر التحديثات عن فيروس كورونا في الكويت

342

إصابة مؤكدة

0

وفيات

81

شفاء تام

حرب السرديات بين أميركا وإيران

د. علي حسين باكير -

يتسارع التراشق الإعلامي بين المسؤولين الأميركيين ونظرائهم الإيرانيين في الآونة الأخيرة، وذلك على خلفية الشتائم التي وجّهها الرئيس الإيراني حسن روحاني لترامب، عندما وصف في خطاب متلفز له البيت الأبيض بأنّه «يعاني من تخلف عقلي». وانتقد الرئيس الأميركي دونالد ترامب التصريحات ووصفها «بالجاهلة والمهينة»، لافتاً الى أنّها «أظهرت أن القادة الإيرانيين لا يفهمون الواقع».

ويأتي هذا التراشق بالتزامن مع صراع آخر بين واشنطن وطهران، مسرحه الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي والمنصات الدولية، ويدور حول السرديات المتعلّقة بكل منهما. إذ يحاول كل طرف فرض سرديّته وتعميمها لتبرير موقفه من جهة، والتأثير على المتلقّي، وتعطيل خيارات الخصم السياسية من جهة أخرى. وفي هذا السياق بالتحديد، يمكن الإشارة الى أربع سرديات يقوم أنصار النظام الإيراني بتداولها مؤخراً على أنّها حقائق للبناء عليها فيما بعد.

1 ـــ العقوبات غير مجدية وأدت إلى نتائج عكسية

يجادل المعسكر الموالي لإيران بأنّ العقوبات الأميركية المتزايدة على صادرات النفط الإيراني هي عقوبات غير مجدية، ولا يمكن لها ان تؤدي الغرض المطلوب منها، والمتمثل في تغيير سلوك النظام. ثمّة كذلك من يذهب أبعد من هذا ليعتبر انّ العقوبات الأميركية على إيران أدّت الى نتائج عكسية، فهي لم تدفع النظام الى طاولة المفاوضات، كما كان البعض يتوقّع، كما أنّها لم تؤد إلى أي تعديل في تصرّفاته. فضلاً عن ذلك، فقد شكّلت عاملاً من عوامل حالة عدم الاستقرار في المنطقة، ومن غير المنتظر لها أن تحقق الأهداف الاميركية وأن تدفع طهران الى التفاوض.

مثل هذه الادعاءات غير دقيقة في أحسن حال. إيران دولة تعتمد على النفط لتسيير القطاع الحكومي والاقتصاد، ويشكّل هذا القطاع حوالي %70 من صادرات البلاد. عائدات البلاد من النفط بلغت العام الماضي حوالي 50 مليار دولار، يحتاج النظام الإيراني منها حوالي 24 مليار دولار على الأقل لتسيير القطاع الحكومي. ومع أنّ العقوبات المتدحرجة لم يمض عليها سوى عام ونيّف فقط، فإنّها نجحت في تخفيض صادرات إيران من النفط من حوالي 2.7 مليون برميل/ي، الى حوالي 300 ألف الشهر الماضي. هذا يعني أنّه سيكون من الصعب جداً على إيران الحفاظ على الوضع الاقتصادي في البلاد وتسيير شؤونها، وحتى اذا ما افترضنا أنها نجحت في ذلك، فالأكيد أنّها لن تستطيع الصمود طويلاً.

أنصار الرئيس السابق باراك أوباما جادلوا سابقاً بأنّ العقوبات كانت السبب في دفع إيران الى طاولة المفاوضات، فلماذا يكون افتراض إدارة أوباما صحيحاً ولا يكون افتراض إدارة ترامب كذلك؟ 

2 - الإدارة الأميركية تسعى إلى حرب

يدور الحديث كثيراً مؤخراً عن نيّة إدارة ترامب شنّ حرب على إيران. أنصار النظام الإيراني ممّن يروّجون لمثل هذه التوجّه يقولون إنّ صقوراً مثل جون بولتون ومايك بومبيو أمر كافٍ للجزم بأنّ الإدارة الاميركية تسعى إلى حرب مع إيران، وأنّ الأخيرة لا تريد الحرب وتفعل ما بوسعها لتفاديها، لكنّ ترامب مصر على الدفع باتجاهها. مثل هذه البروباغندا تُستغل لإعفاء إيران من مسؤولية التصعيد العسكري المباشر وغير المباشر الذي تقوم به مؤخراً ولتحميل مسؤولية هذا التصعيد الى الإدارة الأميركية.

لكن بعيداً عن الألعاب السيكولوجية، الواقع يقول إنّ الولايات المتّحدة ليست لديها مصلحة في خوض حرب مع إيران. القرار الأوّل والأخير في هذا الآن لترامب وليس لأي عنصر آخر في الإدارة، وترامب رجل صفقات وليس حروب، وهو مقبل على انتخابات رئاسية جديدة العام المقبل وليست له مصلحة في إشعال حرب عسكرية. ترامب أعلن صراحة أنّه يريد إجراء مفاوضات مع طهران، وأكّد استعداداه لها. علاوةً على ذلك، فهو ليس بحاجة الى أن يفعل شيئاً لأنّ العقوبات تفعل فعلها في الجانب الإيراني ولذلك، وبخلاف النظام الإيراني، لا يبدو مستعجلاً، ولو كان يريد الحرب لكان استغل أياً من الفرص المتاحة أمامه وآخرها إسقاط الحرس الثوري للطائرة الاميركية من دون طيّار قرب مضيق هرمز، لكنّه فضّل ضبط النفس وعدم الانجرار للعبة الإيرانية بانتظار أن تفعل العقوبات فعلها بالنظام.

3 - إيران لم تقم بالهجمات الأخيرة

المدافعون عن هذا الادعاء يقولون إنّ غياب الأدلة تبرئّ إيران من هذه العمليات، وتؤكّد أنّ هناك من يريد الايقاع بها أو من لديه مصلحة في إشعال حرب في المنطقة. لكن إدّعاءهم الأخير هذا لا يصمد اذا ما أردنا استخدام الحجّة نفسها، اذ لا دليل يثبت أن هناك من قام بهذا العمل لتوريط إيران.

وبعكس فرضيتهم، فإنّه من الطبيعي ان تكون إيران هي المشتبه به والمتّهم الأوّل في هذه القضية.

إن عدم ما يُسمى «دليلاً قاطعاً» لا يبرّئ إيران بقدر ما يدينها في هذه المنزلة، ذلك أنّ الهدف من العملية إرسال رسالة وليس تبنّيها، وتالياً تحمّل عواقبها. إيران لديها تاريخ حافل في مثل هذه العمليات، ولديها القدرة والدافع، وهي في موقف يدعم تماماً اتهامها، خاصّة أنّ هذه العملية هي جزء من سلسلة من العمليات التي وقعت في التوقيت نفسه، تبنّت أذرع إيران بعضها بشكل علني، كما في حالة الحوثي.

صحيح أنّه ليست لإيران مصلحة في خوض حرب تقليدية مباشرة مع أميركا، لكن في المقابل لا تستطيع الذهاب الى المفاوضات في وضعها الحالي. ولأنّها غير قادرة على خوض حرب مباشرة، وغير قادرة على التفاوض من الموقع الحالي، ولا تمتلك تَرَفَ الانتظار تحت العقوبات القاسية، فانّ خيارها الوحيد هو التصعيد غير المباشر واللعب على حافة الهاوية، على أمل أن يدفع ذلك أميركا الى التراجع، لكن أي خطأ في هذه الحسابات من شأنه أن يؤدي الى اندلاع حرب.

4 - الولايات المتّحدة تعرقل التفاوض

على خلفية فرض ترامب المزيد من العقوبات على ايران الإثنين الماضي، ادّعى أنصار النظام الإيراني أنّ الإدارة الأميركية أغلقت باب المفاوضات، في الوقت الذي تدعو فيه إيران الى التفاوض. ويدلّل هؤلاء على صحة هذا الافتراض بالإشارة الى انّ العقوبات التي شملت المرشد الأعلى علي خامنئي لم توفّر وزير الدبلوماسية الإيرانية محمد جواد ظريف، الذي من المفترض ان يقوم بالتفاوض في حال الموافقة على ذلك. لكن ما يتجاهله النظام الايراني هو انّ المرشد كان قد أغلق هذا الباب مسبقاً في تصريحاته، ولو ترامب هو مجرّد ذريعة للتغطية على هذه الحقيقة. فضلاً عن ذلك، فإنّ لإيران تاريخاً في التواصل مع الآخرين عبر الأبواب الخلفية، لا سيما في ما يتعلق بأميركا وإسرائيل، بغض النظر عن علاقات دبلوماسية من عدمها أو وجود وزير الخارجية ضمن لائحة العقوبات أو لا، وبالتأكيد لن تعدم طهران الوسيلة في حال أرادت ذلك.

تعليقات

التعليقات:

WhatsApp
اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات
    view tracking