أزور تركيا منذ منتصف السبعينات، وقطعتها من الشرق إلى الغرب مرات عدة، وزرت عاصمتها ومدنها الكبرى؛ إسطنبول وأزمير وغيرهما، مستخدماً السيارة والباخرة والطائرة. لكن عندما علمت أن مساحتها تزيد على 780 ألف كلم2 (الكويت 18 ألف كلم2) عرفت أنني لم أشاهد منها شيئاً يذكر.

كان من الممكن أن تتحوّل تركيا، بعد سقوط الخلافة فيها عام 1923، الى دولة مصدّرة للملالي من نوع ينافس، الذي تصدره إيران، وأن تبقى من دول العالم الثالث، لكن القدر قيّض لها رجلاً برجاحة عقل مصطفى كمال أتاتورك وذكائه، الذي انتشلها من التخلّف وألحقها بركب أوروبا. وكل ما نشاهده اليوم من تقدّم وازدهار في تركيا يعود الفضل الأول فيه لمبادئ العلمانية، التي رسخها ذلك الداهية، ويجب عدم الاكتراث الى أي ادعاءات أخرى، فما تحصده تركيا اليوم هو نتاج علمانية الدولة، طبقاً لما أراده مصطفى كمال.

وصلت قبل أسبوعين تقريباً الى مدينة بودروم Bodrum الساحلية، واستقر بي المقام مع الأهل والأحفاد في خليج توركبوكو Turkbuku أو خليج الأتراك، إحدى ضواحي بودروم، التي تنام بين جبال تحيطها من ثلاث جهات، وترقد السفن الصغيرة واليخوت الفخمة في خليجها الهادئ، ولا يزيد طول سوقها على كيلو متر واحد، تنتشر فيه مطاعم الأسماك الطازجة كما لدى Garo’s، وما يميّز هذه القرية الساحلية أيضاً وقوع نادي Lifeco العالمي فيه، الذي يجذب الكثير من المشاهير من مختلف دول العالم، خاصة نجوم الغناء في بريطانيا وأميركا. أصبت قبل فترة بالتهاب رئوي، تطور وأنا في بودروم لسعال مستمر. قررت، متردداً، زيادة أحد المستشفيات، ولم أكن على ثقة بأنني سأجد علاجاً مقبولاً في مدينة تبعد 700 كم عن العاصمة، وهذا يشبه توقّع تلقّي علاج جيد في قرية السالمي الحدودية مثلاً!

فوجئت بأن المستشفى لا يضاهي بمبناه أفضل مستشفيات الكويت الخاصة، من دون مبالغة، بل ويقترب كثيراً في تقنياته وكفاءة أطبائه من أي مستشفى أوروبي، وأيضاً من دون مبالغة.. شعرت بالحزن حقّاً، فيبدو أن لا أمل في أن يرى أحفادي مثل هذا المستشفى يوماً، لا في السالمي ولا في النويصيب.

الطقس في هذه القرية معتدل لأكثر من ثمانية أشهر في العام، وتبقى مقاهيها ومطاعمها مفتوحة حتى نهاية أكتوبر، لكن معهد Lifeco الصحي العالمي يحرك الحياة فيها طوال العام.

في القرية مسجد واحد يرفع الأذان خمس مرات بصوت المؤذن الجميل. ولا مركز شرطة في هذه القرية ولا مظاهر أمن، بل تجد الأمان في كل مكان، والكل مسترخٍ في سلام، حتى قططها وكلابها تتعايش بعضها مع بعض، وأيضا من دون أي مبالغة.

في القرية فنادق بوتيك صغيرة لا بأس بها، كما بها بيوت للتأجير من مختلف الأحجام ولفترات متفاوتة. كما في المدينة الرئيسية بودروم فنادق 5 نجوم، وعلى السواحل تقع نواد ومطاعم لا يقل مستواها عن مثيلاتها في فرنسا وأسبانيا، وبنصف السعر، مع مأكولات أفضل.

مشكلتي الوحيدة أنني أتيت هنا لأخسر شيئاً من الشحوم التي تراكمت على جسدي «الطاهر»، لكن الإغراءات كانت أقوى بكثير. فأجمل شيء في تركيا مطبخها وخضرواتها الطازجة وفواكهها الموسمية الرائعة، وجمال التعامل مع مواطنيها، بعيداً عن المدن الكبرى.

أحمد الصراف

habibi.enta1@gmail.com

www.kalamanas.com

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات