كنت، ولا أزال، من أكثر المتصدين للدعوات والاقتراحات الشعبوية التي تزيد من الكلفة الاقتصادية على المال العام وعلى مُقدرات أجيالنا القادمة وأولادنا وأحفادنا.. فلم أكن يوماً من المشجّعين على التقاعد المبكر، ولا على البذخ الحكومي في الكوادر الخاصة لبعض المهن، ولا أنا مع إسقاط القروض على الجميع المعسر وغيره، ولن أشجع المكافآت «الحاتمية» للسيدات في منازلهن، مهما كانت أعمارُهنَّ.. فهذه وغيرها ــــ في رأيي ــــ تَعدٍّ على المال العام وتصفية لمصدر وحيد، ما لنا غيره والاستعجال على حرقه مبكراً.

ولكن أصدقكم القول، أشعر كثيراً بالحرج عندما يواجهني المواطنون البسطاء، سائلين عَمّنْ تدافعين يا دكتورة؟! فالخزائن مفتوحة على مصراعيها للفاسد والناهب والمختلس وذوي الضمائر الغائبة أو المُغيَّبة، ويزيدون قائلين: بالله عليك، هل رأيتِ أي مدان يُسْجن؟ وفي الحقيقة لا أجد جواباً، وما أراه ويراه غيري أن متهم «التأمينات» يتهادى في عواصم الدنيا.. وإن سألت: لماذا تكون يد القانون قاصرة عن جلبه؟ قالوا وراءَه سند أو «شبح» مستفيد ولا يصح كشفه.. وإن سألت عن مختلسي «الموانئ» والمدافعين عنهم في أصقاع الأرض؟ قالوا لك: هناك من يسندهم أو وراءهم «الشبح» المستفيد! وإن قلت: كيف يهرب سارق الرمال من قبضة العدالة؟ يقال لك: «الشبح» المستفيد سهّل هروبه.. وكذلك يحجم جهابذة المجلس عن تحويل الشركات الوهمية في قضية الحيازات الزراعية إلى النيابة، خوفاً من توريط «الشبح» المستفيد.. أما بالنسبة الى التزوير في الجنسية فحدِّث ولا حرج. فممن كشفت الأحداث تلاعبهم في الجنسية والهوية الوطنية «بمساعدة أشباحهم المستفيدين» لم يظهر منهم أحد.

فيا حكومتنا الراشدة والرشيدة.. ما الحل؟ ومتى يرى الناس جدية في التعامل مع الفاسدين، ومتى نرى أحد «الأشباح» والمتعاونين معهم يُسَلَّم إلى العدالة ليأخذ جزاءه كاملاً من دون شفاعة من «أحد الأشباح»؟.. وحتى يتحقّق ذلك سنظل نحلم «بليلة القبض على الشبح».

الخطوة الجريئة:

لا أحد يستطيع أن يُغيّر الجغرافيا؛ فهي حدود أرساها المولى قبل أن ترسمها السياسة والاتفاقيات.. ولا أحد يستطيع طمس حوادث التاريخ وأحداثه فهي قد طبعت في ذاكرة الزمن بِمُرِّها وحلوها.. ولكن القدرة والحِنكَة تكمنان في توجيه متطلبات المستقبل وسير أموره.. وهذا ما فعله والدنا صاحب السمو، حفظه الله، بزيارته التاريخية الشجاعة إلى العراق في هذا الوقت المتأزم، والظرف السياسي الملتهب.. ليجنّب شعبه أولاً، وجيرانه ومنطقته ثانياً، تبعات الخصومة والنزاع.. فجزاه الله خيراً وكلل مسعاه بالنجاح.. ونسأل الله أن يحفظ الكويت وأميرها، وشعبها من كل مكروه.

د. موضي عبدالعزيز الحمود

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات