حياتنا طويلة بتفاصيلها لو أطلقنا خيالنا للعنان وتذكرنا دقائقها وملامحها، قصيرة في سنيِّها لو أدركنا أننا نعيش مع أنفسنا أولاً بهواجسها وأحاسيسنا وظروفها، ومع محيطنا بتكرار الوجوه التي نتعايش معها، بعضها رحل، والآخر لا يزال يعيش معنا جسداً وروحاً، وثالث يدخل إليها جديداً ليحدث فيها تغييراً قد نتواءم معه أو نستنكفه، والكل علينا أن نتعايش معه بحسب قربنا منه أو بعدنا عنه.

البعض يدخل حياتنا في صخب ويرحل عنها في صخب، وكأنه جاء ليقلب حياتنا ظهراً على عقب، نتمنى لو لم تجمعنا به الأيام يوماً لأنه مضى، وقد مضت ذكراه موجعة لا نتمنى عودتها البتة، والبعض ذكرى جميلة نتمنى لو كنا معاً أبد الدهر قرباً وإحساساً مبدعاً، نشتاق إليه أبد حياتنا وتبقى ذكراه عاطرة حاضرة.

والصدف في حياتنا عابرة، قد تمر علينا ولا تتكرر، ونلوم أنفسنا أحياناً أننا لم نستغلها في وقتها، فهي صدف قد جاءت إلينا في وقت لم ندرك فائدتها، ومرَّت بتفاصيلها ولن تتكرر مهما بذلنا من أفعال، ومهما نادينا بأعلى أصواتنا أننا بحاجة ماسة إليها اشتياقاً وأنساً.

هناك من يعتبرها اختياراً كان عليه أن يستغله في وقت معين، لكنه ضيعه بفرط جهله بالعواقب المترتبة عليه وقتئذ، والبعض يعتبرها اختباراً حقيقياً فشل في استيعابه واحتوائه، ولم يعد مجال في استدراكه لبعد المسافة بينه وبين من أحدث الصدفة، أو أن الوقت لم يعد مناسباً لاستحضارها، أو أن الظروف التي أوجدتها قد تغيرت فلم يعد مجال لاستحضارها من جديد.

وبعض الصدف نحن خلقناها وسعدنا بخلقها ونتمنى لو خلقنا مثلها، لكن تغيُّر الزمان، وتبدل الأحوال، وتبايُن ظروف الشخوص، لم تدع مجالاً لخلقها أو خلق مثيلاتها، إننا إذاً نقف حيارى، لا نملك من أمرنا إلا ذكرى تمر، وحسرة تخيم على صمتنا، وعَبْرَة قد نذرفها عزيزة.

التردد هو أحد العناصر الرئيسة في عدم استغلال ما تأتينا من صدف وفرص كانت متاحة لنا في وقتها، وتبايننا في القدرة على المجازفة والإقدام وركوب سفائن الوصول إليها، من الأمور التي تخرجنا عن دائرة القبول أو الرفض، وكأننا فقدنا دفة عقولنا، وخضعنا جبراً لظروف الزمان والمكان.

وقد تلعب الصدف في حياتنا دوراً سلبياً في الاختيار، فنلوم أنفسنا أننا كنا في عجلة من أمرنا في الاختيار، وكان علينا أن نتمهل وأن ندرك أنها جاءت في وقت غير مناسب وفي ظرف غير مناسب، وأن رفضها أدعى لتوافقنا النفسي، وأفضل لمحيطنا الاجتماعي.

غريبة النفس الإنسانية في تعاطيها مع الفرص المتاحة، إذ عليها أن تتوقع حدوثها في أي فترة من حياتنا، وأن عليها استغلالها إن حدثت أو بانت رسومها.

د. سعود محمد العصفور

dr.al.asfour@hotmail.co.uk

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات