يقضي الإنسان معظم أيام حياته بحثاً عن السعادة وقضاء أيام حياته مُستمتعاً بمَتَاع الدنيا وثرواتها المادية للعيش براحة ورفاهية ووفرة من خيرات هذا العالم المادي ومستلزماتها. ينجرف البعض أثناء الانشغال بهذه المهمة نحو التطبع لا إرادياً بالجشع والطمع، صفات قبيحة تُسيطر على الشخص وتضره أشد ضرر وتأخذه للهاوية. سلوك دَميم يُصيب القناعة بمقتل ويُخلف حالة من السخط المستمر والتذمر وعدم الرضا وخسارة لذة الكرم والجود والسخاء والعطاء، حالة تمنع الشخص من الاستمتاع بجمال الحياة، لأنه وببساطة لا يعيشها أصلاً، ليصبح مع الوقت عبداً للمال أسيراً لجمعه وتخزينه كالمثل «العبد حر إذا قنع، والحُر عبد إذا طمع».

تجمع عدد من الطلبة الحاصلين على أرفع الشهادات وأعلى المناصب، وينعمون بالاستقرار الاجتماعي والاقتصادي بمنزل مُدرسهم بعد مغادرة مقاعد الجامعة، رحب المُربي الفاضل بقدومهم، وسمع تذمرهم من ضغوطات الحياة وتوترات العمل وقلقهم من المستقبل. استغرب الأُسْتَاذ تشاؤمهم وتأففهم بالرغم من عيشتهم الرغيدة وتَبَوَّئهم مناصب مرموقة، غاب قليلاً وعاد ليُضيَّفهم قهوة مُقدمة بتشكيلة متنوعة من الأكواب المصنوعة من الكريستال والفخار والميلامين والزجاج والبلاستيك، بعضها فاخرة، باهظة الثمن جميلة اللون والتصميم، وأخرى زهيدة القيمة رديئة الشكل والصنع. اختار الطلبة أجمل وأغلى الأكواب وتركوا الأكواب العادية، وجلسوا يتلذذون بالقهوة، فخاطبهم المُدرس قائلاً: لاحظتُ حرِصَكم الشديد على اختيار أجمل الأكواب وأكثرها أناقة وثمناً، وتجنبكم للأكواب المتواضعة والرخيصة الثمن؟ وأضاف: يتطلع الإنسان دائماً للأفضل وهذه طبيعته، ولكن يجب ألا يسبب هذا الأمر بالقلق والتوتر، هدفكم شرب القهوة «الجوهر»!! وليس الكوب «المُتغير»! ولكنكم حرصتم على أخذ أجمل الأكواب وأثمنها! كما راقب كل واحد منكم الآخرين بحسد. لنفترض أن الحياة هي القهوة. الوظيفة والمال والمكانة الاجتماعية هي الأكواب، أمور ووسائل مادية مُؤقتة وزائلة ومُتغيرة، لا أحد يأكل الفنجان لأنه وسيلة وأداة للتمكن من عيش الحياة وليس هدفًا، بينما نوعية الحياة «القهوة» بهذه الحالة تبقى ما يستحق الاعتناء به. عندما نركز على الوسائل «الأكواب» فقط وننسى المحتوى «القهوة»، فإننا نضيع الفرصة تلو الأخرى للاستمتاع بلذة الحياة «القهوة» لانشغالنا بالغلاف فقط وبالوسائل «الأكواب»! الأكواب مهمة ولكن الاعتدال أهم، لذا أنصحكم بعدم التركيز عليها ونسيان الجوهر، والتركيز على نوعية «القهوة» والاستمتاع بالحياة، فالطمع بالأفضل وطلب المزيد دوماً وحسد الآخرين آفات تجلب المُعاناة والمرض! خصائل تتحول لمرض وهاجس يُقلق المرء ليل نهار، يُشغله عن عمل الخير ويُنسيه هدف وجوده بهذا العالم، ويتسبب بفقدان لذة الحياة والانشغال بمراقبة نجاحات الناس والتركيز فقط على كيفية الحصول على المزيد والمزيد والتفوق على الآخرين، حتى يصبح صورة للمثل اللاتيني «نخسر ممتلكاتنا وحياتنا بحق عندما نطمع بنجاحات وممتلكات غيرنا».

عرفان أمين



تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات