نظرية تورّط الحرس لا تبرّئ النظام الإيراني
د. علي حسين باكير -
مع تزايد الهجمات العسكرية ضد قطاع النفط في منطقة الخليج وتجارته الدولية، وآخرها استهداف ناقلتَي النفط في خليج عُمان، ينشط الموالون لإيران من أجل نفي التهم المنسوبة إليها، التي تحمّلها المسؤولية عن هذه العمليات، بحجّة أنّه من غير الممكن لطهران الاستفادة من هجمات كهذه.
وفي المقابل، يشير هؤلاء بأصابع الاتهام إلى ما يسميه وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف محور (ب) التابع للولايات المتحدة، مشددين على أن الهدف هو استخدام العمليات كذريعة لإطلاق حرب ضد إيران.
لكن لوحظ أخيراً تبدّل في خطاب المدافعين عن النظام الإيراني، فبعد أن أصبح من الصعب جداً نفي مسؤوليته في شكل مطلق عن هذه العمليات، انتقل بعض هؤلاء من حالة الإنكار الكامل إلى حالة الاعتراف غير المباشر، لكن بمبررات. فروّج بعضهم - على سبيل المثال - لنظرية أن الهجمات وقعت بسبب سياسة «الضغط الأقصى» التي تتّبعها إدارة الرئيس دونالد ترامب.
بمعنى آخر، يقول هؤلاء إن الظروف التي خلقتها الإدارة الأميركية هي التي أدت الى استهداف ناقلات النفط في خليج عُمان. ومثل هذا الادعاء ينطوي على اعتراف غير مباشر بأن إيران هي من نفّذ هذه العمليات، لكن بضغط من الولايات المتحدة.
وإحدى النظريات التي يجري ترويجها في سياق نفي التهم عن النظام الإيراني أن متطرفين داخله قد يكونون نفّذوا هذه العملية، ما يعيدنا الى اللعبة التي غالباً ما يجري اللجوء إليها لإرباك المتعاملين مع إيران، أي لعبة «الحمائم والصقور» داخل النظام الإيراني. المراد بهذه النظرية طبعاً هو أن هناك فصيلاً متطرّفاً أو متمرّداً من الحرس الثوري نفّذ العملية ضد ناقلتَي النفط في خليج عُمان، في إشارة الى أن النظام لا يريد القيام بمثل هذه العمليات، وأنه إذا حصل شيء من هذا النوع فهو ليس مسؤولاً عنه.
ويتجاهل مثل هذا الطرح طبيعة النظام الإيراني، والعملية التي يتم من خلالها صنع القرار وتنفيذه، فالنظام ثيوقراطي، يقوده المرشد الأعلى علي خامنئي، الذي يُعتبر ممثّلاً لما يُسمى «إمام الزمان»، ينوب عنه في غيبته، وقراره أو فتواه واحدة، لا ترد ولا تُنقض، ولا يمكن تحدّيها، فهو في هذا المقام بمنزلة المعصوم. إنه يمثّل القيادتَين الدينية والسياسية في الدولة، وصفته ودوره في النظام منصوص عليه في دستور البلاد أيضاً.
في مثل هذا النظام، وبمثل هذه التركيبة، يستحيل أن يكون هناك فصيل متطرّف أو متمرّد يعمل في شكل منفصل عن القيادة، ويقوم بمثل هذه الأعمال، بمعزل عن قرار خامنئي. وإذا كان هناك مثل هذا العمل فهو بالتأكيد سيتم بقرار من المرشد، وبعلمه، وبدعمه. ويلعب مجلس الأمن القومي كذلك دوراً مهمّاً، لكن ربما يتم تغييب بعض المؤسسات الأقل أهمّية، كرئاسة الجمهورية، أو وزارة الخارجية، إن تطلّب الأمر ذلك.

تغييرات الحرس
وثمة ما يستدعي الانتباه في هذا الشأن، إذ إن معظم - إن لم يكن كل - التحليلات المعتبرة التي تمّ نشرها أخيراً تؤكد إمكانية الربط بين الهجوم على ناقلتَي النفط قرب الضفّة الإيرانية وبين التغييرات التي حدثت أخيراً في قيادة الحرس. ففي 22 مايو الماضي، رقّى خامنئي نائب رئيس الحرس حسين سلامي إلى رتبة جنرال عام، وعيّنه قائداً للحرس، بدلاً عن محمد علي جعفري، الذي شغل المنصب منذ عام 2017.
وإذا ما كان هناك شيء يميّز سلامي عن سواه فهو تصريحاته النارية ضد كل من إسرائيل والولايات المتّحدة، وتصريحاته المتعلقة بالبحّارة الأميركيين الذين اعتقلهم الحرس عام 2016 إبّان عهد الرئيس السابق باراك أوباما، معروفة، ويقول في إحداها إن «المارينز كانوا يبكون عندما قمنا باعتقالهم».

استعداد للتصعيد
ويوحي تعيين سلامي باستعداد إيران للتصعيد العسكري، فالتغيير في قيادة الحرس جاء مباشرة بعد أن قامت إدارة ترامب بتصنيفه منظمة إرهابية، وهناك من يشير بوضوح إلى أن جعفري (الذي كان من المفترض أن يبقى في منصبه حتى عام ٢٠٢٠ على الأقل، بعد أن تمّ التجديد له سابقا لثلاث سنوات) دفع ثمن عدم قدرته على مواجهة تداعيات سياسة «الضغط الأقصى» التي يمارسها ترامب ضد النظام، فالعقوبات الأميركية الأخيرة التي خفّضت صادرات طهران من النفط من مليونين و800 ألف برميل يومياً إلى قرابة 400 ألف فقط، خلال عام ونيّف، وضعت إيران في الزاوية. ويبدو أنّ تعيين سلامي جاء في إطار بلورة رد عسكري من الحرس، يثبت أن طهران قادرة على ترجمة تهديدات مسؤوليها السياسيين والعسكريين بإغلاق مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية، واستهداف مصالح واشنطن وحلفائها في المنطقة وتحويلها الى أمر وقع.
وفي هذا السياق، يمكن فهم دور الحرس ووظيفته ضمن حسابات النظام الإيراني، فالتصعيد الأخير من قبل إيران في الخليج، الذي تضمّن استهدافاً لناقلات النفط، مقصود ومدروس بدقّة، بحيث يؤدي الغرض منه في إيصال الرسالة، من دون أن يترك دليلاً مادّياً قاطعاً على مسؤولية إيران، ما ينجم عنه تهرّب النظام من تحمّل المسؤولية، ويحرم الولايات المتّحدة من الرد العسكري الصارم على هذا التصعيد.
لا شك أنّ هذه اللعبة خطيرة من إيران، فالمغامرة على حافة الهاوية قد ينجم عنها في أي وقت خطأ قاتل في الحسابات يؤدي الى اندلاع حرب، لا يمكن لطهران تحمّل تكاليفها المباشرة.

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات