آخر التحديثات عن فيروس كورونا في الكويت

125337

إصابة مؤكدة

773

وفيات

116202

شفاء تام

القرّاء يُنقذون صحافياً روسياً من السجن
سليمة لبال -

لم يسبق أن عاش قطاع الإعلام في شرق أوروبا، منذ انهيار الاتحاد السوفيتي قبل حوالي 28 عاماً، حالة غليان مثلما عاشها قبل بضعة أيام الإعلام الروسي، بعدما خلّفت حادثة اعتقال الصحافي المتخصص في التحقيقات إيفان غولونوف، بسبب اتهامات ملفقة تخص الإتجار بالمخدرات، حالة من السخط في القطاع، الذي يعاني أصلا من تراجع الحريات، لكن المفاجئ هو امتداد الحركة الاحتجاجية الى قطاع الثقافة المؤثر جدا في روسيا وانضمام الرأي العام، ذلك أن القراء والمتابعين لتحقيقات غولونوف لم يتأخروا في الخروج الى الشارع للمطالبة بإطلاق سراحه. ورغم قمع الشرطة للتظاهرات الاحتجاجية، فإن السلطات استجابت لمطالباتهم وأطلقت سراح الصحافي بسرعة، فيما أمر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بطرد مسؤولين في الشرطة أصدرا قرار توقيف الصحافي. فمن يكون إيفان غولونوف؟ ولماذا دعمه قراء موقع ميدوزا في الشارع؟

في بناية تقع وسط ريغا عاصمة لاتفيا، يوجد مقر موقع ميدوزا الإلكتروني الذي تحول خلال خمسة أعوام الى مرجع للصحافة في روسيا. لقد اختارت الصحافية الروسية غالينا تيمشينكو العاصمة اللاتفية لإدارة موقعها باللغة الروسية لتجنب ضغوط الكرملين، بعد أن طُردت من منصبها كرئيسة تحرير موقع Lenta.ru عشية الاستفتاء على ضم شبه جزيرة القرم. وقالت تيمشينكو في مقابلة مع صحيفة «لوفيغارو» الفرنسية آنذاك: قرّر فلاديمير بوتين التخلي عن أي فكرة للحفاظ على شكل من أشكال التوازن في قطاع الإعلام وقرر تحويله الى ماكينة دعاية.
رفضت تيمشينكو أيضا دعماً مالياً من الملياردير المعارض لبوتين ميكاييل كودوركوفسكي، لكن موقعها، الذي يوظّف 40 صحافيا، تمكن اليوم من استقطاب 12 مليون زائر يوميا. وينشر «ميدوزا» أخباراً غريبة قصيرة وتحقيقات طويلة عن آلام وأوجاع المجتمع الروسي من فضيحة معالجة النفايات المنزلية الى المقاتلين الروس المنسيين على الأراضي السورية مرورا بقضايا الفساد.
ويبدو أن تحقيقا نشره ايفان عن تجارة المقابر في روسيا، أكد خلاله تورط عناصر في قوات الأمن في الجريمة المنظمة، الأمر الذي عجّل باعتقاله عقب المصادقة على عدة قوانين وُصفت بالمناهضة للحريات، واعتداءات وعمليات تسريح من العمل تعرض لها صحافيون روس.
وقالت منظمة مراسلون بلا حدود إن توقيف إيفان غولونوف يؤكد سياسة اللاعقاب التي يتمتع بها ضباط الشرطة الفاسدون الذين لا يتوانون في توجيه أي تهمة لأي صحافي مزعج. وأضافت في بيان صحافي «سلوك ضباط الشرطة صدم موسكو لكنه منتشر جداً في بقية الأراضي الروسية».

سيطرة التلفزيون
بثّت القناة الحكومية الروسية الأولى «بارفاي كانال» في 13 يونيو الجاري تحقيقا مصورا عن الاستعدادات الجارية لافتتاح مركز مكالمات هاتفية مرتبط بخط تلفزيوني مباشر بالرئيس فلاديمير بوتين في الـ20 من الشهر الجاري، يظهر شبابا روسيين يرتدون قمصانا بيضاء وهم يستمعون باهتمام إلى شكاوى المواطنين العاديين لتحويلها الى أسئلة توجه الى الرئيس.
وحسب تقرير لصحيفة «لوفيغارو»، فإن الخط الافتتاحي للقناة التلفزيونية يعكس الصورة التي تسعى التلفزة العمومية لمنحها الى السلطة. وتتصدر قناة «بارفاي كانال» نسب المشاهدة في روسيا، حيث تمكنت في 2018 من استقطاب 69 مليون مشاهد.
وتعد هذه القناة بالإضافة الى «روسيا» و«ان وأن تي في» من بين أدوات توجيه الرأي العام وفق المنتقدين. ويدير هذه الامبراطورية الإعلامية أحد الأثرياء المقربين من بوتين وهو يوري كافالتشوك، بالاضافة الى الفرع الإعلامي من شركة النفط العملاقة «غازبروم».
لكن كل هذه المؤسسات تقع أيضاً تحت مراقبة مستشار الكرملين لوسائل الاعلام ألكسي غروموف الذي يعتبر أحد رؤساء تحريرها، وتسيطر «غازبروم ميديا» ايضا على إذاعة إيكو القريبة من الأوساط الليبرالية في موسكو، غير ان القناة المستقلة الوحيدة Dojd التي تبث على الانترنت، فلم يعد يشاهدها سوى 7 ملايين، فيما تراجع عدد مشتركيها الى 70 الفا فقط بعد تغطية مثيرة للجدل حول حصار لينينغراد. ووفق استطلاع للرأي أجراه معهد FOM في نوفمبر 2018، فان %47 فقط من الروس يثقون في وسائل الاعلام الحكومية والتلفزيون، وقد تراجعت النسبة بـ18 نقطة مقارنة بتقرير أنجز في يناير 2016.

تحديات الصحافة
عرفت صحيفة «البرافدا» التي تأسست عام 1925 عصرها الذهبي في عام 1990 قبل عام واحد من تفكك الاتحاد السوفياتي، وحينها بلغت مبيعاتها 18 مليون نسخة، لكن الصحيفة انهارت منذ ذلك الحين بعد ظهور عناوين جديدة بسبب رياح الحرية التي هبت وسياسة البيروسترويكا علاوة على التحديات الاقتصادية.
وقتذاك، وجدت عدة صحف في روسيا نفسها ضحية عدة قوانين سمحت للأثرياء المقربين من السلطة بالسيطرة عليها مثل «نيزافيسيميا غازيتا» أو «أوغونيوك». أما « كومارسنت» التي كانت رمزاً، فقد استخوذ عليها في 2006 رجل الأعمال أليشر أوصمانوف، ما أدى إلى استقالة عناصر القسم السياسي في ظرف ثلاثة أسابيع.
في المقابل، حافظت اليومية الاقتصادية «فيدوموستي»، التي تأسست في الفترة ذاتها على سياستها وحرصت دوما على نشر تحقيقات. وفي عام 2015 وبعد المصادقة على قانون وضع سقفا لمساهمة المجموعات الأجنبية في وسائل الاعلام في روسيا لا يتعدى 20 في المئة، اضطرت المجموعة الالمانية «سبرينغر» لبيع أسهمها في المجلة الشهرية الشهيرة فوربس لرجل أعمال روسي وعرفت الكثير من العناوين التي كانت تديرها مجموعات غربية المصير ذاته مثل مجلات «غلامور» و«تاتلر» و«ماكسيم» و«فوغ».

في العمق الروسي
حين نغادر موسكو أو سان بطرسبيرغ، تختفي الصحافة الوطنية تماما من الساحة لتعوضها وسائل إعلام أخرى تسيطر عليها الإدارات المحلية، لكن التلفزيون حاضر بقوة. في بداية عام 2010 ظهرت مواقع الكترونية مثل «فونتونكا»، الذي اشتهر بسبب تحقيقاته عن المرتزقة الروس في سوريا او موقع «اورا» في ايكاتيرنبورغ، لكن فضاء الحريات تقلص خلال السنوات الاخيرة واقتصر وجود الصحافيين المستقلين على العاصمة.
ففي بيتروزافودسك على الحدود مع فنلندا، حيث يوجد المؤرخ يوري ديميتريف المتخصص في أحداث القمع التي ارتكبها ستالين في السجن بسبب الاعتداء الجنسي على اطفال، يبدو الوضع السياسي متوترا، وتقول انا اياروفايا مراسلة موقع «7*7» الذي ينشر تحقيقات عن المشاكل الاجتماعية في 9 مناطق أن الصحافيين بدأوا يشعرون بالخوف. وتضيف متحدثة لصحيفة لوفيغارو «لقد ابلغتنا الحكومة المحلية بضرورة التوقف عن العمل».

صراع بين الموالين والمعارضين

كانت تداعيات اعتقال الصحافي ايفان غولونوف كبيرة جدا في موسكو التي شهدت احتجاجات شعبية في 12 يونيو الجاري ما أدى الى الافراج عنه في اليوم التالي، لكن قضية الاعتقال كشفت جملة من الصراعات بين صحافيي القطاع الحكومي الذين ساندوا قضية غولوكوف على استحياء والصحافيين الذين يعملون في مؤسسات مستقلة، وحتى في إدارة التحرير ذاتها هناك صحافيون محافظون وآخرون نشطاء مستعدون للاحتجاج اكثر من اجل الحصول على تنازلات من السلطة. ويقول الصحافي السابق في التلفزيون الحكومي إيفغيني ليوكانوف ان قضية غولونوف وحدت الصحافيين الروس وعلى السلطة ان تتعاون معهم. يشار الى ان روسيا احتلت المرتبة 149 ضمن 180 دولة في الترتيب العالمي حول حريات الصحافة لعام 2018.

 

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات
    view tracking