«من أنفق ولم يحسب.. هلك ولم يدر»، مثل متداول عند كثير من الشعوب والأمم، وهو حقيقة، فمن أنفق ولم يحسب ما أنفقه فمصيره بلا شك الهلاك من غير أن يدري. وهذا المثل ينطبق على الأفراد والدول، فمتى ما تعدى الإنفاق حدود المعقول إلى إسراف بلا ضوابط ولا رقابة ولا حسبة، فإن العواقب بلا ريب ستكون وخيمة ووبالا على الأمة بأكملها.
حتى إن الشاعر قال في ذلك: «بين تبذير وبخل رتبة ** فكلا هذين إن زاد قتل».
وهناك حكاية طريفة قد تتماشى مع سياق مثلنا هذا، فيحكى أنه أصاب أحدهم عوز علقه بدين، فتذكر ابن عم له غنيا ولكنه متهم بالبخل، فخشي من ذهاب إليه تتبعه مذلة، فيعود منه صفر اليدين، ولكن لا ضير فما عليه إلا أن يجرب.
ركب صاحبنا راحلته قاصدا ابن عمه حتى وصله، وإذا به يراه جالسا أمام بيته يجبّر رجل حمل ولد البارحة، قد وطأته دابة فكسرت رجله، فحدّث نفسه قائلا: أيأتيه يطلب منه رفدا وهو منكب على حمل وليد يجبره؟ فعاد إلى أهله من دون أن يفاتحه في شيء.
وبعد فترة من الزمن، حدث نفسه أن يعاود ابن عمه، ففعل، وبينما كانا معا حول قهوة، سمعا الابنة، بعد أن عادت من رعي غنمها، وهي تقول لأمها إنها ضيعت إبرتها، وتريد غيرها، فغضب ابن العم وعاتب ابنته على ضياعها، فلما رأى صاحبنا ما حدث أمامه، أيقن أن لا أمل بعون من ابن عمه، فعاد أدراجه، من دون أن يفاتحه بحاجته.
وبعد فترة ليست بالوجيزة، لم يستطع صاحبنا الصبر على العوز، فعاد إلى ابن عمه آملا هذه المرة ألا يعود خالي اليدين، فرأى الأب يوزع إبرا على بناته، وسمعه يوصيهن بأن تحافظ كل واحدة منهن على إبرتها، فكانت بالنسبة لما رأى ثالثة الأثافي.
قام صاحبنا وهو يهم بالرجوع الى أهله، وهذه بلا عودة، فبادره ابن عمه قائلا: لقد جئتني ثلاث مرات على فترات متباعدة، وما أراك فاتحتني في شيء يعينك على شؤون دنياك، رغم علمي بعوزك! فرد صاحبنا: يا ابن عمي، كنت آتيك كل مرة وأنا في عوز شديد، ولكن ما رأيته من فعلك مع الحمل ومع بناتك جعلني أحجم عن مفاتحتك عن حاجتي.
ضحك الرجل وقال: يا ابن عمي، أمثل هذه الأمور تجعلك تحجم عن قصدك؟ فأما الحمل الذي رأيتني أجبره في المرة السابقة فهو الذي ذبحته لك البارحة، بعد أن صبرت عليه حتى كبر، ثم أنفقته في وجه إنفاقه، وأما ما فعلته مع بناتي في موضوع الإبر فلم يكن سببه البخل، ولكنه لتربية وتنشئة، فمن أضاع الصغير أضاع الكبير، والذي يفرّط في الحقير يتساهل في الأثير، ومثل هذا لا يسمى بخلا، ولا يمكن أن يكون حائلا بينك وبين قصدك، ولكن اعلم بأنه لولا حقير المال لم يأت كثيره، ولكن انظر إلى هذه الإبل وخذ منها ما تحتاجه، واعلم يا ابن عمي بأن «من أنفق ولم يحسب، هلك ولم يدر».

طلال عبدالكريم العرب
talalalarab@yahoo.com

تعليقات

التعليقات:

WhatsApp
اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات
    view tracking