يجب على المرء أن يتذكر محاسن موتاه.. وتتجلى محاسن الرجال بمواقفهم الشجاعة التي يمتد صداها قائما لسنين طويلة. ومن تلك المواقف الشجاعة الإنسانية المؤثرة موقف الرئيس الراحل بورقيبة (رئيس جمهورية تونس الأسبق) تغمد الله روحه فراديس جنانه.
كانت المناسبة احتفال تونس الشقيقة بيوم تحرير مدينة بنزرت من أيدي الاستعمار الفرنسي وفي العادة. تقام تلك الاحتفالات في مدينة بنزرت نفسها حول باحة المطار الذي دارت حوله المعارك بين الأشقاء التونسيين وقوات الاستعمار الفرنسي آنذاك.
تجري الاحتفالات التونسية بذاك المكان تخليداً لذكرى الشهداء من أفراد الجيش التونسي الذين سقطوا في تلك المعارك.. وفي أواسط الستينات من القرن المنصرم دعت تونس لهذه الاحتفالات الدول الشقيقة والصديقة التي كان من ضمنها جمهورية مصر العربية التي أوفدت السيد زكريا محيي الدين عضو مجلس قيادة الثورة ممثلاً لجمهورية مصر العربية بهذه الاحتفالات. وفي ذلك الحين لم تكن مصر معترفة بجمهورية موريتانيا الشقيقة التي أرسلت وفداً برئاسة سفيرها المعتمد لدى جمهورية تونس.
ومن العادة المتبعة بهذه المناسبات أن يستقبل الرئيس بورقيبة وصحبه وفود المهنئين من رجالات الدولة وأعضاء ورؤساء الوفود وأعضاء السلك الدبلوماسي المعتمد في تونس. وكان من الصدف أن يأتي ترتيبي للسلام على الرئيس وضيوفه بعد سعادة سفير موريتانيا مباشرة، الذي كان يرأس وفد بلاده في تلك المناسبة، والذي تلكأ بالسلام على السيد زكريا محي الدين الذي كان يقف بجانب الرئيس بورقيبة، وهنا قبض الرئيس بورقيبة يد السفير الموريتاني وأخذ من جانبه يد السيد زكريا محي الدين داعيا إياهما إلى المصافحة، بل تم بين الرجلين العناق والقبل أمام أعين ومشاهدة جميع الحاضرين، وقد أكد الرئيس بورقيبة للسفير الموريتاني اعتراف مصر بجمهورية موريتانيا دولة مستقلة ذات سيادة. ولما شاهدني الرئيس بورقيبة رحمه الله أقف خلف السفير الموريتاني قال للسيد زكريا محي الدين، وأنا أصافحه، إنني أنا الرئيس بورقيبة اعترفت بدولة الكويت كدولة مستقلة ذات سيادة ليس لشيء إلا لأنني مؤمن حق الإيمان بأنها فعلا تستحق الاعتراف ولها كل مقومات الدولة المستقلة، وكذلك الحال بالنسبة لاعترافي بجمهورية موريتانيا.
هنا صفق جميع الحاضرين إعجابا وإكراما لموقف الرئيس الإنساني الرائع.. ذلك الموقف الذي ألف بين قلوب الأشقاء، رحم الله الرئيس بورقيبة وأدخل روحه فراديس جنانه إنه سميع مجيب الدعوات.

محمد سالم البلهان*

* سفير سابق.

 

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات