تفضل صاحب السمو الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح، أمير الكويت، بحضور اللقاء الرمضاني في قاعة الاحتفالات في مبنى وزارة الخارجية، بحضور كبار الشيوخ ورجال الدولة وأعداد من الدبلوماسيين المختصين، ومن براعم الشباب المتوثبين في سباق التفوق الدبلوماسي.
تحدث سمو الأمير موجهاً كلامه للدبلوماسيين، من المحاربين القدماء ومن جنود اليوم، فأكد على «كنتم في ممارستكم لتحقيق دور مؤثر للدبلوماسية الكويتية تنطلقون من قواعد راسخة، سعينا إلى إرسائها منذ البداية لتمثل عقيدة آمنا بها وعملنا بهديها، ترتكز على الحرص بمد جسور السلام وإرساء التعاون بين دول وشعوب العالم لخلق مصالح مشتركة بعيداً عن التدخل في شؤون الآخرين، مع الحفاظ على حسن الجوار والتمسك بقرارات الشرعية الدولية وقواعد القانون الدولي». وأشار سمو الأمير إلى «أن عمل الكويت في مجلس الأمن اتسم بالواقعية والتوازن تجاه ما يطرح في المجلس والالتزام بالمبادئ التي جسدها ميثاق الأمم المتحدة».
ولأنني أحد المحاربين القدماء حيث أخذني الحظ للعمل في مكتب سموه، وملازمته في الأمم المتحدة، والتواصل معه في مجلس التعاون، فإنني أستطيع أن أحدد إلى درجة كبيرة ما يعنيه سمو الأمير عن معاني القواعد الراسخة بالتعامل مع الدول الأخرى، وأفضل تسجيل بعضها في شكل ملاحظات:
أولاً - منذ بداية الستينيات رسم سمو الأمير طريقاً لما يجب أن تكون عليه العلاقات العربية، وأبرز ملامح هذا الطريق أن تكون الدبلوماسية الكويتية رسالة خير ومودة وصفاء بلا مشاغل سرية وبلا أهداف مكتومة؛ تتعامل بإيمان بأن العلاقات قائمة على دوام المسرات لا تضعفها تبدلات، وأنها ثابتة ورصينة، ولها محتوى خاص في المنافع الاقتصادية والمعونة في التنمية، والترابط الثقافي، وأهم شيء تجذير التبادلية في الثقة والاحترام، مع ضرورة التفهم والانسجام السياسي.
وكان إيمان سمو الأمير أن الكويت لا تحتاج إلى مدافع لأنها لا تهدد أحداً، ولا إلى مخابرات لأنها لا تتجسس على أحد، ولها ثقة بالجميع لأنها لا تشكك بأحد. كان إيمانه بأن الدبلوماسية هي الرادع الذي يقي الكويت، وهؤلاء الدبلوماسيون هم القيادة العليا للردع الكويتي، وأن المزاج الشعبي الكويتي لا يستطعم الانضمام إلى مناطق النفوذ للدول الكبرى ويفضل الحوار معها بدلاً من الانخراط بشباكها.
ثانياً - تعامل سمو الأمير مع دول الجوار على أساس الالتزام بالمواثيق والاتفاقيات، وكان إصراره على أن تنفذ أنظمة بغداد بنود الاتفاقيات الموقعة؛ لأنها قاعدة الانطلاق في علاقات جوار تكاملية في التجارة والاستثمار، ولم تبدله الضغوطات ولم يذعن للاستفزازات، وتصدى للتطاول، واستنكر الأكاذيب، وأهم شيء قاوم بشدة الابتزاز، وتجاهل التشويهات في المواقف والادعاءات وأهملها تماما، ولم يضعف إيمانه برسالة الكويت رغم التدخلات المنفرة من النظام العراقي السابق.
ثالثاً - لم يتبدل إيمانه بهذا المسار رغم مأساة الغزو، وما واكبه من تحول في الذهنية وفي الذاتية الكويتية، فكان يرى حتمية تطبيع العلاقات مع الجميع، وكأن قدر الكويت لا يتعافى من دون سلامة العلاقات مع جميع العرب، ومن دون استثناءات، ولم يتبدل في قناعته بأن الترابط مع العرب والمشاركة في قضاياهم من أهم العناصر في دبلوماسية الكويت.
رابعاً - يؤمن بشيء اسمه دبلوماسية المسرات diplomacy of Joy، لأن دنيا الشعوب مثل دنيا البشر تحلو بالترابط مع الشعوب الأخرى، فينتقل الحس الترابطي العروبي إلى املاءات واقعية، ويتوسع في منظوره نحو آسيا في ترابط المصالح عبر التجارة والثقافة، فيستقبل الزعماء في القمة الأولى ويتم اختيار الكويت كمقر لمكتب التنسيق، ثم يتجه إلى أفريقيا فيدعو قيادتها إلى أول قمة عربية - أفريقية تحت رعايته، وتنفتح قنوات التعاون الأفريقي - العربي بشكل غير مسبوق.
وتماشياً مع هذه الدبلوماسية الزارعة للأفراح، عادت العلاقات مع الأردن، ووافق على فتح سفارة فلسطين تعالياً على افرازات المواقف العرفاتية، ولم يعترض على من خذل الكويت، فجاء سفراء السودان وتونس وموريتانيا والجزائر وليبيا، لا يتوقف عند أي فصل من فصول الذكريات المريرة، ويبحر بعيداً عنها بثقة في مساره المستقبلي.
قام بجولة عام 1996 إلى شمال أفريقيا، كنت من ضمن الوفد، يتباحث ويتحدث واتفق مع هذه الدول على مسار صحي واقعي يغلق الماضي المتعثر، ومن تلك الزيارة، شهدت الكويت تكاثر الزائرين الرسميين من هذه الدول حاملين الرسائل نحو مشاركة في برامج التنمية في بلدانهم.
خامساً - بمبادرته وبقناعته الراسخة، حول الكويت إلى مزار إنساني ساهم في تخفيف أزمات الآخرين وحلها، تأتي المؤسسات الدولية من مختلف دول العالم لتجد التعافي الاقتصادي والتعاطف السياسي والتفهم الايجابي لهمومها، فكانت مؤتمرات إعمار سوريا وإعمار العراق وإعمار اليمن، واستضافات تحاورية وزيارات أخوية مع فتح الأبواب الواسعة مع العراق الجديد، الذي يأمل بفتح النافذة الواسعة لعلاقات نموذجية في تبادلية المنافع.
سادساً - في إصراره على تحقيق جوانب المسرات داخل الكويت، وبتوجيهاته، تحقق بناء أوبرا الشيخ جابر، والمتحف الجديد، وكذلك بناء مركز الشيخ عبدالله السالم الثقافي وحديقة الشهيد، هذه آليات لنشر الثقافة العالمية العالية، بتراثها من الابداع الانساني، رغبة في توفير هذه الفنون الراقية للمجتمع الكويتي من أجل التعرف والاقتباس.
واندفع باصرار نحو تنفيذ المشروعات الكبرى في البنية التحتية وفي تلبية متطلبات التنمية، ويدفع لاكمال مشروع ميناء مبارك، والجسر البحري الموصل، ومستشفيات بحجم مدن طبية صغيرة في مدينة الجهراء ومستشفى جابر، مع ترتيبات في إدارة الدولة نحو الخيار التكنولوجي وأرشفة الهيكل الاداري والوظيفي.
سابعاً - واضح أن إرادة سمو الأمير لإخراج الكويت من فضاء الغزو وترسباته، والعبور من جروح الغزو وإزالة آثاره منطلقاً من واقع كويتي جديد انفتح على ضرورات الشراكة مع الحلفاء الاستراتيجيين الذين يشاركون الكويت في تأمين الاستقرار والأمن، ليس في الكويت وإنما في الجبهة الخليجية كلها، تعبيراً عن وحدة الأمن بين منطقة الخليج والاستقرار العالمي.
ثامناً - تظل تعقيدات مجلس التعاون حاضرة في دبلوماسية الأمير انطلاقاً من اعتبارات كثيرة، فهو الرجل المعاصر منذ بدأ مشروع المجلس كفكرة، ساهم في مسيرته ودافع عن سلوكه وآمن برسالته وثمن أهميته للكويت ونقله إلى المحيط العربي وإلى الاهتمام العالمي، وكان شارحاً ومفسراً ومدافعاً وعارفاً لتقدير المجتمع العالمي لدور المجلس ولأهميته لسلامة المنطقة، وحساسية العالم لما قد يصيب المنطقة من فوضى واضطراب..
هذا موجز يلخص جوهر الدبلوماسية التي تحدث عنها سمو الأمير التي شيد شخصياً أعمدتها واستمر يرعاها رغم مشاغله الأخرى.

عبدالله بشارة

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات