الدستور يحمي الكثير من الحقوق، ولعل أهمها وأبرزها حرية الرأي والتعبير، وهي مكفولة وفقاً للأوضاع التي يبيّنها القانون، ومع صعود نجم مستر «تويتر» اختلطت المعايير والتبست المفاهيم، فـ «تويتر» جاءنا بالمنتج، لكن لم يزودنا بدليل وتعليمات كيفية الاستخدام، وقد ظن البعض، الخاصة والعامة، أن تلك الحرية أو ذلك الحق مطلق باعتباره حقّاً دستورياً أصيلاً، بحيث يجوز لهم قول ما يشاءون لمن يشاءون وقتما يشاءون، ولأن الجدل ما زال دائراً حول مفهوم حرية الرأي أجد من المناسب إعادة برمجة وتأصيل مفهوم تلك الحرية بسبب انحرافها عن غاياتها وأهدافها ومراميها النبيلة والسامية والمنشودة، فالحق المطلق لا وجود له إلا في الغابات وحتى في الغابات هناك قانون الطبيعة، وحرية الرأي والتعبير تفترض أو تشترط أن من يتمسّك بها ويمارسها يجب أن يكون صاحب رأي، وهذا الرأي جدير بالنقاش والأخذ والرد، وحرية الرأي والتعبير المكفولة دستورياً يقابلها حق آخر وهو حق اللجوء للقضاء، فحين تكون الحرية ضارة يجب أن نلجأ إلى القانون بحسب رأي «برتراند راسل»؛ فحق التقاضي مكفول دستورياً أيضاً، ويجب ألا يسمو حق على آخر، فحق الفرد في أن تصان له كرامته وشرفه وعرضه وسمعته من الانتهاك والإساءة والتجنّي والتشويه حق أصيل كذلك، فالمواد الدستورية متكاملة ومتعاضدة ومتساندة يكمل بعضها بعضاً، واحترام المجتمع والناس لتلك الحقوق المتقابلة بلا شك علامة نضج ووعي وإدراك والإعراض عنها سطحية وانكفاء وضيق نظر، فعندما نقول مثلاً إن وزيراً ما فاسد يختلف الأمر عندما نقول إنه غير كفء أو جدير بالمنصب، لأنه في الحالة الأولى يجب عليك إثبات أين ومتى كانت حالة الفساد تلك، وإن لم تفعل فستكون مرغماً لدفع آلاف الدنانير كتعويضات.
المعضلة أن كثيرين يرفعون شعار الدفاع عن حرية الرأي والتعبير من دون إلمام وإدراك لمعناها، وهم أول من يهرولون لساحات المحاكم عندما تُخدش أو تُمس أعمالهم وتصرّفاتهم في حالة غريبة عجز تلاميذ فرويد من علاجها وتشخيصها، فما زلت أتذكر أحد المصابين بداء الكرامة الذي كان يتحدث بحرقة عن نهج الملاحقات السياسية، في حين هو يلاحق عشرات الكتاب والمغرّدين وورثتهم من بعدهم!
الأمر الآخر الذي يدعو الى الدهشة والاستغراب أن البعض يملك شجاعة الشجعان في توجيه سهام نقده وصب جام غضبه ورفع صوته على السلطة، في حين يقف مكتوف الأيدي فاغراً الفاه أمام تصرّفات ومواقف سلطات وجهات أو مؤسسات أو شخصيات أخرى دينية أو قبلية أو اجتماعية.
العقاب أو التجريم ليس مصادرة على حرية الرأي والفكر لأن النقد فرع مهم من حرية الفكر، ولا معنى لحرية الفكر من غير رأي حر، لا يُصادر ولا يُحجر عليه، ولأن الأصل هو الإباحة والاستثناء هو القيد مهما اشتدت أو قست العبارات والألفاظ، لكن هذا النقد يجب أن يذهب للأفعال والأعمال والسياسات، ويجب ألا تبتعد تلك الحرية عن مآربها وأغراضها، فحرية الرأي عقيدة أخلاقية قبل أن تكون حقاً دستورياً.

بسام العسعوسي

@Bassam_Alasousi
info@bassamandbassam.com

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات