تمر القضية الفلسطينية بفصل دقيق، مغايرا للفصول التي شهدتها هذه المشكلة المعقدة، فلم يسبق للولايات المتحدة أن قدمت مشروعاً مفصلاً وشاملاً، مثل مشروع صفقة القرن الحادي والعشرين، كانت سابقاً تقدّم ملاحظات وتعديلات وتحسينات على مسودة مقترحات يأتي بها آخرون، أتذكر أبرزها مقترح توزيع مياه نهر الأردن الذي جاء في عهد الرئيس ايزنهاور بإشراف الأميركي إريك جونسون، وفشل المشروع لرفض اسرائيل والدول المعنية خطة جونسون مع تصاعد التوتّر حول المياه، الأمر الذي أدى إلى تراكم المشاكل وانفجارها في حرب 1967.
منذ ذلك المقترح المائي، تبدّلت مواقف واشنطن مع اصرارها على أن يكون الحل بين الأطراف نهائياً على قاعدة الأرض مقابل السلام، وهو الممر الذي أدى إلى اتفاق السادات لتحرير سيناء عام 1979.
بعد هزيمة 1967، تركت الولايات المتحدة الأطراف بمن فيهم منظمة التحرير لتبادر بتقديم مرئيات لتحرير الأراضي، وفق قاعدة تحرير الأرض مقابل السلام الكامل، وسبّبت هذه القاعدة اختلافات بين الدول العربية.
لم يكن حل مشكلة سيناء ممكنا لولا جهد الرئيس كارتر ومشاركته شخصياً في اضافات ومقترحات وتعديلات وأكثر من ذلك تعهّدات أميركية مالية وأمنية للطرفين، الأمر الذي سهّل الوصول إلى ذلك الحل المعقد.
واستوعب الملك حسين ملك الأردن هذا الواقع الذي خرج من تعقيدات حرب 1967، ووقع مع رئيس وزراء اسرائيل اتفاق الصلح الثنائي، وفق المنظور الأميركي لآليات الحل، وظلت سوريا عاجزة عن المسايرة، لأنها التزمت السقف العالي في تصوراتها لإمكانية العودة إلى الوضع لما كان قبل 1967، تجاوزاً على منطق الحروب والهزائم.
وظلت منظمة التحرير ترتكز على قرارات عربية داعمة ومناقشات دورية لمجلس الأمن لاتخاذ قرارات حول توصيات تقدمها اللجنة الخاصة بمشكلة فلسطين، المنبثقة من الجمعية العامة للأمم المتحدة والتي يرأسها دائماً سفير السنغال، فتقاطع الدول الغربية هذه اللجنة ولا تعترف بتشكيلها وصوّتت ضد القرار المتعلّق بشرعيتها.
وتتكرر الجولات كل سنة، وأتذكر أن السنة الوحيدة التي لم يناقش مجلس الأمن قضية فلسطين بكل جوانبها كانت في عام 1978، بعد تواصل «الفيتو» الأميركي ضد قرار فلسطين مع أعوام 1973، 1976، 1977، لأن تلك القرارات التي تصيغها اللجنة الخاصة بدعم المنظمة لا تنسجم مع الموقف الاميركي الداعي لمفاوضات مباشرة تقرر الأطراف فيها حجم الانسحاب ومحتويات السلام.
ومن هذه التجارب تبلور الموقف الأميركي في الشكل التالي:
1 - لن تقوم الولايات المتحدة بأي دور سوى مساعدة الأطراف عبر مفاوضات مباشرة، ترعاها كما حدث مع الرئيس كلينتون، تقود فيها المداولات التي تتضمن مواقف صادرة من الأطراف المعنية من اسرائيل ومن المنظمة، تسعى واشنطن للتوفيق بينها في تقريب المواقف وتقديم صياغات مستوحاة من الأفكار التي تأتي بها الأطراف المعنية، بمعنى أنها لن تقدّم مشروعاً متكاملاً.
2 - أن الولايات المتحدة ملتزمة بالقرارين 242 و338، وتفسيراتها حول انسحاب القوات الاسرائيلية ومداها يحدث عبر التفاهم بين الطرفين مباشرة، ودور واشنطن التسهيل في تمرير الاتفاق، ولن تقبل الولايات المتحدة مشروعاً فيه املاءات من طرف على طرف آخر بما فيها موضوع القدس، إلى أن جاء ترامب بدعمه الكامل لإسرائيل.
3 - تراعي الولايات المتحدة حق الممكن وليس الحق الشرعي ــــ Right of the Possible not the right of legitimacy ــــ وتتداول مع الأطراف وفق هذا المبدأ مع تطمينات بأنها ستعمل على تحسينات فيها تطور للأحسن، لكنها لا تُرضي كل الأطراف.
4 - من قراءاتي للمذكرات التي نشرت خاصة مذكرات كلينتون، كانت واشنطن تتوقع أن يقدم الطرف المتضرر بمرئيات تساعد الوسيط الأميركي، وتشكو واشنطن من أسلوب العمل الفلسطيني الذي يريد مقترحات من الآخرين يحتفظ بها ويبنى عليها في رفع سقف التوقّعات، ولأن الجانب الاسرائيلي ليس على عجل والكاسب مع الوقت، فلا يقدّم شيئاً، وهو ما دفع كلينتون إلى تقديم مقترحات تعكس الممكن المتعاطف Sympathetic Sponsor، خاصة حول القدس، وقد وعد رئيس المنظمة عرفات بدراستها ولم يجدها كافية، ثم ندم على رفضها كما كتب السيناتور كاري وزير خارجية أميركا في عهد أوباما في مذكراته، هذا هو الوضع الحالي في الأمم المتحدة، ومع عهد الرئيس ترامب، خرجت واشنطن على المألوف بصيغة متكاملة تكاثرت الاشاعات عنها، تتناول القضية بكل جوانبها، وبدأت المنظمة تشحن أجواء المعارضة لها، وإذا جاء الرفض النهائي لها، فالانظار تتجه نحو المنظمة لتقديم برنامج بديل لوقف الأوضاع التي مكّنت اسرائيل من تواجد 750 ألف مستوطن على الضفة الغربية مع اجراءات تتصاعد يتحملها أبناء الشعب الفلسطيني، فأحكام الضرورة تستدعي تحريك المنظمة، ليس لإجهاض الصفقة فقط وإنما لطرح مقترح جديد.
5 - على الرئيس أبومازن وأمام هذه العقدة أن يتهيأ لوضع مختلف، وأن يتعاون مع مصر والأردن كمساندة له في دراسة الوضع لاستخراج تصوّر ممكن تسويقه في كل العواصم بما فيها واشنطن، فتكرار المطالبة بشرعية القرارات التي صدرت من مجلس الأمن منذ 1949 لن يحرك الوضع ولن يؤدي إلى تحقيق حلم الشعب الفلسطيني في دولته، فتكرار ترديد مواقف معروفة أفرز فتوراً عالمياً تجاه القضية.
وهنا ضرورة تحرك أبومازن مع مصر والأردن بحثاً عن خطة طريق ربما تكون مستوحاة من صيغة كلينتون، التي لم تكن اسرائيل متحمّسة لها، وعارضها عرفات.
أبرز خيارات أبومازن التنسيق الإيجابي مع القاهرة والأردن مع تحرّك ذاتي، مع الاستذكار بأن الشرعية الدولية عامل مساهم في الحل، لكنها ليست صانعاً للسلام ولا فاعلاً في صناعة المستقبل، وأن يدرك تصلّب الموقف الاميركي امام لجوئه الى مجلس الامن مع تلويحات بـ «الفيتو» المستمر. الإحباط والتوقّعات بتحرّك الاخرين لن يُثمرا، هناك أرض تُصادر وتُستعمر، وشعب يضحي، وآمال تُبتعد، ويبقى التحرّك الذاتي مع عمان والقاهرة بدعم خليجي قوي قد يفتح مدخلاً، يخفف أثقال اليأس.

عبدالله بشارة

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات