خير الكلام ما قل ودل، فلا خير في سرد واطالة لخطبة لا تستدعي إضاعة وقت السامع، وليس فيها ما يستساغ من استرسال ممل لا طائل من ورائه، وهناك نماذج لخطب قصيرة جدا، بكلمات معدودات، ولكن فيها من البلاغة والحكمة والدلالة تفوق الكثير مما يقوله البعض هذه الأيام من خطب مكررة وطويلة، قد لا يستفيد منها المصلي ولا تضيف لعلمه شيئاً، وهناك أمثلة لخطب قالها خلفاء وصحابة ورجال دين، ومنها:
ارتقى المنبر يوما الخليفة الثالث، ذو النورين، عثمان بن عفان، رضي الله عنه وارضاه، فأشكل عليه، فقد استفتح، فلم يفتح له، ثم استفتح فلم يفتح له، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس إن أي مركب أوله صعب، فاتقوا الله وأقيموا الصلاة.
واعتلى المنبر يوما الخليفة الرابع، سيدنا علي بن أبي طالب، كرم الله وجهه، فقال: بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله، اما بعد، إمام فـعّال خير من إمام قـوّال، ثم قال: قوموا الى صلاتكم يرحمكم الله.
فما أروعها من خطب تفوه بها خلفاؤنا الراشدون، رضي الله عنهم وأرضاهم، وهناك خطب موجزة لرجال دين، بعضها في غاية الصرامة والوضوح، ومنها خطبة للشيخ عبدالباقي عمر المكاشفي، قالها حينما دعي لإلقائها في مناسبة استكمال بناء مسجد في قرية الشكينيبة بأواسط السودان، فصعد المنبر، وقال: الحمد لله والثناء على رسوله الكريم، صلوات الله عليه وسلامه، ثم قال: يا مسلمين اتركوا الهوى، لقمة في بطن جائع خير من بناء ألف مسجد، ولو كان كساء الكعبة المشرفة بالحرير، أقم الصلاة.
وهناك خطبة غريبة وصارمة شهدتها محافظة البيضاء اليمنية، لم تتعد الـ 12 كلمة واستمرت لثوان معدودات، فقد صعد الشيخ يوسف الحميقاني المنبر في أحد مساجد بيت الحميقاني في تلك المحافظة الواقعة في وسط اليمن، وقال موجها كلامه للحوثيين: أنتم دخلتم البيضاء بطريقتكم، فوالله لن تخرجوا منها إلا بطريقتنا... وأقم الصلاة.
أما محمد الطاهر بن عاشور، فهو عالم وفقيه تونسي، تنحدر أسرته الأندلسية بأصولها إلى أشراف المغرب الأدارسة، وقد صعد في أحد الجمع على منبر جامع الزيتونة، ثم نظر إلى المصلين وقال: نساء شكون إلي في الأسواق، فلم يفزع أحد من المصلين، ثم كررها مرة ثانية قائلاً: نساء شكون إلي في الأسواق، فلم يتكلم أحد من المصلين، وكان جالساً، فقام وقال: ﻻ خير في صلاتكم، ونساؤكم عرايا، ثم قال: أقم الصلاة.
فكم نتمنى على خطباء مساجدنا الاختصار المفيد، فإطالة الخطبة بلا مبرر لن تزيد من انجذاب المصلين اليكم.

طلال عبدالكريم العرب
talalalarab@yahoo.com

تعليقات

التعليقات:

WhatsApp
اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات
    view tracking