في خضم تسارع وتيرة التطورات في المجال الصحي بفضل تكنولوجيا المعلومات، أدركت المنظمات الصحية في دول مختلفة، مثل الولايات المتحدة الأميركية، أهمية النظم الصحية المتعلمة (Learning Health Systems). في ظل الثورة الصناعية الرابعة القائمة على الاقتصاد المعرفي، تتوجه العديد من المنظمات الصحية لإحداث نقلة نوعية في ممارساتها المعلوماتية من فقط إدارة المعلومات بالشكل التقليدي إلى إنتاج وإدارة المعرفة لتكتسب بذلك صفة «المؤسسة الصحية المتعلمة». في أحد مقالاته، يصف الدكتور شارلز فيردمان بأن هذه الأنظمة تسعى إلى توليد المعرفة والتشارك فيها من أجل التحسين المستمر والابتكار من خلال عمليات ممنهجة قائمة على المعلوماتية وأفضل الممارسات في إطار مؤسسي قائم على التشارك. وتعتمد هذه الأنظمة على بنية تحتية رصينة تتألف من القوانين والمهنيين والتكنولوجيا. وتقوم هذه الأنظمة على مشاركة البيانات وتسخير قدرتها على توليد المعرفة بشكل سريع واتخاذ القرارات المستنيرة لإحداث تغيرات تحويلية على الأنظمة الصحية التي تعتبر معقدة بطبيعتها. فعلى سبيل المثال، من خلال تجميع البيانات الروتينية من ملفات المرضى الإلكترونية، بوسعنا أن نعرف فاعلية العلاج وتحسين الخدمات وإدخال هذه التحسينات في الممارسات اليومية في الرعاية الصحية.
ومن خلال العمل في هذا المجال، أستطيع أن أقول إن لدينا طريقا طويلا لتحويل النظام الصحي في بلادنا الحبيبة الكويت إلى نظام متعلم. فالتحول بالنظام الصحي الحالي نحو نظام قائم على المعرفة لن يتم بين ليلة وضحاها! ولكنه يتطلب تغييرا في الثقافة المؤسسية، لا سيما نشر المعرفة والمشاركة بها وتوعية العاملين في المجال بمختلف مستوياتهم الوظيفية عبر عقد الدورات التدريبية المتخصصة في هذا المجال. اعتماد إدارة المعرفة في الرعاية الصحية سيساهم في زيادة جودة الخدمات الصحية المقدمة، وزيادة كفاءة فعاليات وأنشطة مقدمي الرعاية لتقديم رعاية صحية آمنة. ولكن هناك فجوات علينا حلها وتعزيزها: قلة الكوادر البشرية، وبالأخص الوطنية، وقصور أداء النظم الالكترونية الحالية وعدم ترابطها بالإضافة إلى البنية التحتية المعلوماتية المتواضعة. فلنزرع البذور الصحيحة حتى نجني ثمارها. ففي حال استطعنا تحويل أنظمتنا الصحية إلى أنظمة متعلمة، وإدارتها بالشكل الصحيح، سنعزز الصحة العامة من خلال دعم المراقبة الروتينية للأمراض والاستفادة من البيانات في الوقت المناسب لاتخاذ الإجراءات والتدابير المناسبة. ومبعث الأمل هنا أن تطبيق مفاهيم النظم الصحية المتعلمة لا يعتمد على البدء بالنظام الصحي بأكمله! بالإمكان تطبيقه على مستوى المنطقة الصحية أو المستشفى أو حتى العيادة. ولكن علينا البدء من خلال إنشاء بيئة حاضنة للمجتمع الذي سيعمل على تطبيق هذا النظام.

د. ضاري عادل الحويل
dhuwail@

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات