في يوم 2019/3/27 كتبت في جريدة القبس، تحت عنوان: «البرنامج الأميركي لإدخال الدول في طاعتها»، وانتهيت فيه إلى أنه لكثرة ما خسرته الإدارات الأميركية المختلفة من حروب مسلحة ومكلفة، فقد رأت استبدال الحروب الاقتصادية بها، وعلى مراحل، تحت التهديد العسكري من دون اللجوء إليه، إلا في اطار محدود، أو التلويح به، وهذا ما حدث مع فنزويلا، واليوم يحدث مع إيران حيث أخذت أميركا التهديد العسكري لإيران إلى حافة الهاوية، ولكن لأن إيران لديها تجربة طويلة مع السياسة الأميركية، وكانت تدرك أن الإدارة الأميركية لن تشن حربا مسلحة عليها، وأن ما قامت به أميركا من استعراض للقوة سينتهي إلى ما دون ذلك، فواجهت إيران التهديد والضغط المسلح بتهديد مماثل بضرب المصالح والقواعد الأميركية، وأنها قد تقدم على إغراق حاملة الطائرات التي دفعت بها أميركا الى المنطقة لو اقتربت من مياه الخليج، بما تملكه من زوارق سريعة محمّلة بالقذائف الصاروخية، وكان ذلك نوعا من العض على الأصابع، ونجحت إيران في تحمّله، ما أدى إلى خفض ذلك التصعيد العسكري، ولكن الحرب الاقتصادية ضد إيران ستستمر، ما لم تنجح إيران في كسر ذلك الحصار الاقتصادي الذي تحملته منذ سنوات طويلة سابقة، ومع مضي بعض الوقت فإن هذا الحصار الاقتصادي ومع قدرة إيران على احتوائه سيرتد مفعوله على الوضع الاقتصادي الأميركي، لا سيما أن دول أوروبا بدأت تتذمّر من هذه الضغوط الأميركية بحرمانها من الاستثمارات في السوق الإيرانية، إضافة إلى تمرّد الصين تجاريا على أميركا بسبب حرب الضرائب، والسعي لتوجيه استثماراتها إلى دول أوروبا، ما سيقوي موقفهما أمام أميركا، وقد بدأت الصين ببيع قدر كبير من سندات الخزانة الأميركية، ما سيشكّل ذلك ضغطا مضاعفا على الاقتصاد الأميركي، ولذلك فقد بدأت مساعي الوساطة في التحرّك لخفض التوتّر بين أميركا وإيران، وعلى الخصوص التحرّك العراقي لما لديه من مصلحة حقيقية في خفض هذا التوتّر، لأن استمراره يلحق الضرر بالمصالح العراقية بسبب علاقاته المميزة مع الطرفين، وبحكم تطلعه لتحسين أوضاعه الاقتصادية التي سوف تتضرر بسبب ذلك الصراع، وقد يؤدي التحرّك العراقي إلى جمع الطرفين إلى طاولة المفاوضات مع بعض التنازلات من كلا الطرفين وتقريب وجهات النظر، فالعراق دولة جارة لإيران بحدود تبلغ ألفاً وأربعمئة كيلو متر، ولديه مصالح حيوية معها، كما أن علاقته مع أميركا جيدة، وبينهما أيضا مصالح إستراتيجية، ناهيك عن تهيئة الظروف لتنمية موارد العراق النفطية وحاجته إلى الاستقرار السياسي في المنطقة، فهذه الظروف مجتمعة ستلقى قبولا من الطرفين الأميركي والإيراني، لما للعراق من أهمية لدى الطرفين، تضاف إلى رغبة أوروبا والصين وروسيا، كما أن التحرّك العراقي له مدلول آخر، وهو أن العراق مع العهد الجديد، يريد أن يتبوّأ دورا يليق به كدولة كبيرة ومؤثرة في المنطقة، وسيكون إلى جانب الكويت، وعُمان من عوامل الاستقرار ودعاة السلام.

مصطفى الصراف

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات