رواية عبدالله بشارة لافتراءات العراق على الدولة الوطنية
حمزة عليان - 
كتاب «الغزو في الزمن العابس» يرقى إلى مستوى «المرجعية» في الشأن الكويتي المتصل بالعراق بالدرجة الأولى. لم يكتب «الدبلوماسي المحنّك» من أجل الاستعراض، بل من اجل عرض الحقائق التي أتيحت له، وليس لغيره وتبيان الغث من السمين بعدما اختلطت المفاهيم وتبدلت الاحوال.

«الغزو في الزمن العابس»، يعطي دلالات ومعاني صارخة من عنوانه والهدف الذي توخاه «استاذ الدبلوماسية والكتابة».. تحصين الحس الوطني الكويتي من تأثير الدعايات المشبوهة التي تغطي شهية التوسع نحو الخليج على حساب الكويت.. وان يراقب الكويتيون مسار الادعاءات ويواصلوا ترسيخ حدود وطنهم.. هذا أولاً، اما الهدف الثاني فهو تحفيز للحفاظ على الدولة الخليجية وحصانتها من الشعارات المؤذية لواقعها والمتطاولة على كيانها وشرعيتها.
نقطة اخرى يشير اليها وهي كراهية النظام البعثي للدولة الوطنية الكويتية، والمتمثل بتدمير كل ما يرمز لها ويرتبط بتاريخها قبل الرحيل منها عام 1991، وبجملة واحدة كان مشروع طمس الهوية الكويتية المستقلة من ابشع مخلفات الغزو.
اما ما يتصل بحرب العراق مع ايران، فهو لم يكن مدافعاً عن دول الخليج وضامناً لاستقلالها. «فلم نكن في حالة حرب مع ايران ولم تظهر ايران الرغبة في الحصول على مكاسب جغرافية من الكويت».

حكمة القيادة
ما هو جدير بالملاحظة ما خطه المؤلف بشأن تسامح القيادة الكويتية في معالجتها مع ازمات العراق، ولا يتصور ان هناك من يصبر ويصمد ويقاوم ويواجه بشجاعة مثلما وقف عليه خلال عمله في مكتب صاحب السمو الشيخ صباح الاحمد أثناء توليه وزارة الخارجية، وبعد ذلك في الامم المتحدة وفي مجلس التعاون.
كانت الحكمة منبعاً لسلوك الامير وهضم المتاعب لتجاوزها، وبأن يوم الخلاص سيبعث.
وبرأيه ان الكويت لن تهدأ في علاقاتها مع العراق سوى بتبنيه النظام الديموقراطي القائم على توافق داخلي تشترك فيه جميع الطوائف من دون تهميش مع الالتزام ببنود الدستور.
يتمنى أخيراً البدء في فصل جديد في العلاقات خالية من الاشتياق الى مفردات الماضي وتحويل الأولوية إلى تعاون شامل بين البلدين، في اعتراف عراقي أبدي بقبول الواقع الذي أفرزته عملية الغزو في خريطة العلاقات بين الدولتين بكل جوانبها.

أزمة الخليج
يراهن على أنه مهما اشتدت الأزمة التي انفجرت في يونيو 2017 وما حملته من اسقاطات بين قطر وكل من السعودية والبحرين والإمارات بمشاركة مصر وما رافقها من مقاطعة تامة ضد قطر، ستولد ديناميكية لحل الأزمات، وأن الحل القادم سيأتي بصيغة أخرى لمجلس التعاون، تحمل مرتكزات جديدة، تحدد المطلوب من كل عضو، ومكاسبه والابتعاد التام عن الدبلوماسية.

الفصول الثمانية
أبدى حرصاً شديداً على الالتزام بوضع تسلسل الرواية ضمن سياقها التاريخي، فقد بدأ من أيام نهاية الملكية في العراق عام 1958 وما قبلها مروراً بانقلاب البعث عام 1968 و«دبلوماسية الغلاظة» التي اتبعها صدام حسين وزيارات القيادة الكويتية لبغداد ثم قمة بغداد والغزو المشؤوم إلى مؤتمر جدة الشعبي وحرب 2003، وفصل خاص عن سيكولوجية صدام، وأخيراً الفصل الثامن عن حياة الكويت السياسية بعد التحرير والخليج وآفاق المستقبل.
في الواقع، وكما يوضح المؤلف في مقدمته، ان هذا الكتاب ما هو إلا امتداد لكتاب سابق بعنوان «حروب الكويت الدبلوماسية» وهما يوفران مادة تاريخية عن الادعاءات وأحداث الغزو، ويسجلان الافتراءات التوسعية التي تستهدف الدولة الوطنية الكويتية.

الكويت تغيَّرت
وفي السياق العام يعتبر الأستاذ عبدالله بشارة أن الكويتيين خرجوا من الغزو بمضمون مختلف عن الماضي، فالكويت، كما يراها، تغيرت في تفكيرها ونهجها وفي مزاجها، وصارت أولويات أهلها الأمن والسلامة، وضمان الحياة في بلدهم وفي حضن خليجي موحد رسم خريطته مجلس التعاون.
يؤكد في رؤيته أن الأمر لم يتوقف عند متابعة الكويتيين لمواقف حكومات عربية متخاذلة، إنما استمرت هذه المتابعة في رصد مواقف الرأي العام، «فلن تختفي من ذاكرة الشعب الكويتي الأمواج البشرية التي تهدد لمصلحة صدام حسين وعدوانه، من مخيمات لاجئين إلى أصوات صارخة في شوارع الأردن وعويل الاتباع في اليمن، وفي عواصم الاستكانة والوهن والنفاق».
إلى ذلك، يشير الى ان الجهد الكويتي الشعبي يتمحور حول نهج متجدد، استخلصه من آثام التشرّد والعدوان والظلم، ليترافق مع نزعة قوية للنقد الذاتي، فقد اكتشفوا ان الحماية غير مكتملة، ولا بد أن تصيغ الكويت طوقاً أمنياً صلبا.

ما لنا في هذه التجربة
الكتاب يسلّط الضوء على «مرحلة بشعة» من تاريخ الكويت المفرح والمزعج منها، «ما لنا في هذه التجربة، وما علينا من قصور».
ثمانية فصول بــ 300 صفحة تقريباً سهلة التصفّح والقراءة، تخللها عدد من الصور ذات العلاقة بالحدث ووثائق استعان بها المؤلف لخدمة النص.
ميزة «أبو معتز» أنه عندما يُمسك بموضوع يعرض عليك أفكاره بشكل متناسق ومتناسب مع الحدث؛ فيلجأ إلى الاختصار حتى يحقّق الانتصار.

جوهر الفكرة
وفي النهايات، يجعلك تتوقّف ملياً قبل ان تنتقل الى فصل آخر، فيوجز لك الاحداث وتعرجات المسار، وهمّه أن يقدّم للقارئ الكويتي جوهر الفكرة القائمة على خطوط الأطماع العراقية في الكويت، والمغامرة الخطيرة التي قام بها صدام حسين، المبنية على وقائع وأحداث أدت الى تلك النهاية المفجعة، ومنها ما نشرته القبس بتاريخ 13 و14 أبريل 2013 نقلاً عن طارق عزيز، وفيها مواقف «البعث» الحقيقية ضد الكويت ومن دون تجميلات، فيقول «أنا كعراقي لا أحترم الكويت».
يدرك الاستاذ بشارة في هذا السياق ان الكويت لا تستطيع العيش من دون توافق داخلي، يؤمّن الوحدة الوطنية الصلبة التي تعتمد على عمق المواطنة والتصاق المواطنين بأرضهم وجهوزية تضحيتهم للوطن مع بناء جيش كويتي مجهّز بالتكنولوجيا الحديثة التي تعوّض النقص البشري.

مجموعة خلاصات
ثم يعدّد الخلاصات، ويرد على الخطاب العراقي القائل إنه حارب إيران بمفرده، وهذا تطاول على الحقيقة، التي لا بد أن تظهر الدعم الخليجي، خاصة الكويتي المكثّف والمتنوّع، معترفاً بأن أخطر ما أقدمت عليه الكويت هو السماح للطائرات العراقية بالنزول في قواعدها العسكرية وتوفير ممر استراتيجي بري لينقل الأسلحة ومكوّنات الحرب، وضرورات الحياة في موانئ الكويت.

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات