«سعيت فأكديت، فرجعت فرزقت»، مثل قيل حين وفد الشاعر عروة بن أذينة، وهو أحد شعراء المدينة خلال حكم الدولة الأموية، وهو شاعر ضالع في الغزل، وله أسلوب رقيق عذب في الغزل، فهو القائل:
إذا وجدت أوار الحبِّ في كبدي
أقبلت نحو سقاء الماء أبتردُ
هبني بردتُ ببرد الماء طاهره
فمن لنار على الأحشاء تتّقدُ؟
كان عروة بن أذينة رجلاً قانعاً، فلما دخل على الخليفة عرفه، فقال له: ألست القائل:
لقد علمت وما الإسراف من خلقي
أن الذي هو رزقي سوف يأتينـــــي
أسعى إليه فيعييني تطلبـــــــه
ولو قعدت أتاني ليس يعيينـــــي
وإني أراك، رغم أبياتك هذه، قد قدمت من الحجاز إلى الشام طلباً للرزق، الذي قلت إنه سوف يأتيك؟ فقال له عروة: يا أمير المؤمنين، زادك الله بسطة في العلم والجسم، ولا ردّ وافدك خائبا، والله لقد بالغت في الوعظ، وأذكرتني بما أنسانيه الدهر.
خرج عروة من فوره الى راحلته، عائدا إلى الحجاز، فانشغل عن أمره هشام بن عبد الملك طيلة اليوم، فلما كان الليل، ذكره هشام وهو في فراشه، فقال: رجل من قريش قال حكمة، ووفد إلي فجبهته، ورددته عن حاجته، وهو مع ذلك شاعر، لا آمن ما يقول.
فلما أصبح سأل عنه، فأخبر بانصرافه، فقال: لا جرم، ليعلم أن الرزق سيأتيه، ثم دعا مولى له، وأعطاه ألفي دينار، وقال: الْحَقْ بهذه ابن أذينة، واعطه إياها، فأدركه المولى، وقد دخل بيته، فقرع الباب، فخرج إليه عروة، فأعطاه المال.
فقال له عروة: أبلغ أمير المؤمنين قولي: «سعيت، فأكديت، ورجعت فُرزقت»، فأصبح ما قاله مثلاً.
إنه رزق من الله يُؤتيه عبادَه من حيث لا يعلمون.

طلال عبدالكريم العرب
talalalarab@yahoo.com

تعليقات

التعليقات:

WhatsApp
اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات
    view tracking