ابن خلدون، هو عبد الرحمن بن محمد، ابن خلدون أبو زيد، ولي الدين الحضرمي الإشبيلي، عاش في الفترة بين 1332 و1406م، ولد في تونس وعاش في الأندلس. تولى ابن خلدون عدة مناصب مهمة، منها الكتابة والوساطة بين الملوك في بلاد المغرب والأندلس، وعندما انتقل الى مصر أوكل اليه السلطان برقوق مهمة القضاء للمالكية، بعدها انتقل إلى التدريس والتصنيف لتصبح مصنفاته من أهم المصادر للفكر العالمي.
أما أشهر ما خط فهو كتاب «العبر»، بمقدمته المشهورة بـ «مقدمة ابن خلدون»، الذي ألفه في سنة 1377م، وهو كتاب ضخم مؤلف من سبعة أجزاء وثامنها الفهرس، و«العبر» هو الاسم المختصر لكتاب «العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر».
وها هو الكاتب اليمني، رائد الجحافي، يقتطف بعضا من مقدمة ابن خلدون بمقالة أسماها «ابن خلدون.. الجاسوس»، سأحاول أن أنقلها عنه بتصرف بسيط، وهي عبارة عن مقتطفات لرؤية مستقبلية قبل سبعة قرون، خطها المؤرخ العربي ابن خلدون في مقدمته الشهيرة، فرأى ما لم نستطع أن نراه حتى ونحن نعيش عصرنا الحاضر، إنها إحدى روائع ابن خلدون، رائد علم الاجتماع في العالم، فقال فيها:
عندما تنهار الدول يكثر فيها المنجمون، والمتسولون، والمنافقون، والمدّعون، والكتبة والقوّالون، والمغنون النشاز، والشعراء النظّامون، والمتصعلكون، وضاربو المندل (قد يكون الدف) وقارعو الطبول، والمتفيهقون، وقارئو الكفّ بالطالع والنازل، والمتسيّسون، والمدّاحون والهجّاؤون، وعابرو السبيل والانتهازيون، فتتكشف الأقنعة ويختلط ما لا يختلط، يضيع التقدير ويسوء التدبير، وتختلط المعاني والكلام، ويختلط الصدق بالكذب، والجهاد بالقتل.
عندما تنهار الدول، يسود الرعب ويلوذ الناس بالطوائف، وتظهر العجائب وتعم الإشاعة، ويتحول الصديق الى عدو والعدو الى صديق، ويعلو صوت الباطل ويخفت صوت الحق، وتظهر على السطح وجوه مريبة وتختفي وجوه مؤنسة، وتشح الأحلام ويموت الأمل، وتزداد غربة العاقل، وتضيع ملامح الوجوه، ويصبح الانتماء الى القبيلة أشد التصاقا، والى الأوطان ضربا من ضروب الهذيان.
يضيع صوت الحكماء في ضجيج الخطباء، والمزايدات على الانتماء، ومفهوم القومية والوطنية والعقيدة وأصول الدين، ويتقاذف أهل البيت الواحد التهم بالعمالة والخيانة، وتسري الاشاعات عن هروب كبير، وتحاك الدسائس والمؤامرات، وتكثر النصائح من القاصي والداني (كمستشاري السوء)، وتطرح المبادرات من القريب والبعيد، ويتدبر المقتدر أمر رحيله والغني أمر ثروته، ويصبح الكل في حالة تأهب وانتظار، ويتحول الوضع الى مشروعات مهاجرين، ويتحول الوطن الى محطة سفر، والمراتع التي نعيش فيها الى حقائب، والبيوت الى ذكريات، والذكريات الى حكايات.
رحمك الله يا ابن خلدون، فهل كنت تتجسس على مستقبلنا؟ فقد استطعت أن ترى ما عجزنا عن رؤيته حتى يومنا هذا.

طلال عبد الكريم العرب
talalalarab@yahoo.com

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات