«الشال»: سوق العمل أخطر مؤشرات مرض الاقتصاد الكويتي
تناول تقرير «الشال» الاقتصادي الأسبوعي موضوع سوق العمل في الكويت، وقال:
قدمت وزيرة الدولة للشؤون الاقتصادية مريم العقيل في أبريل الجاري عرضاً لأرقام العمالة في الكويت تحت مسمى رأسمال بشري إبداعي، والأرقام سبق لنا نشرها من مصدرها الموحد وهو «ديوان الخدمة المدنية»، كما أن الأرقام الإجمالية المنشورة في تقرير سابق لنا وأرقام الوزيرة متقاربة كما في نهاية عام 2018، وملخصها بلوغ حجم العمالة الإجمالي نحو 2.051 مليون عامل من دون احتساب قطاع العمالة المنزلية البالغ حجمه 689 ألف عامل.
وأضاف التقرير: عنوان العرض هو سوق العمل، وتم وصف عمالته برأس المال البشري الإبداعي، وكنا نود أن تسمى الأشياء بمسمياتها مادامت مقدمة العرض هي «كويت جديدة»، فسوق العمل غير مستدام ومتخم ببطالة مقنعة ولا علاقة فيه بين الأجر والإنتاجية والتعليم، واحتياجاته. وفي حدود مستوى التعليم الحالي، لا يمكن أن تكون مخرجاته رأسمال بشري إبداعي، ولا يمكن أن يستطيع القطاع الخاص استيعابها ومنافسة القطاع العام على تلك المخرجات وبمستويات أجوره، والواقع، أن تحول العمالة المواطنة منذ ثورة الكوادر في عام 2011، بات يسير في الاتجاه المعاكس إلى القطاع العام، ومع امتيازات القوانين الشعبوية النيابية الأخيرة، قد يتعزز هذا الاتجاه. وأحد المؤشرات التي ذكرتها الوزيرة مشكورة والدالة على بؤس كل من نظام التعليم وتركيبة سوق العمل، هو وجود نحو 3658 خريج جامعي من أصل 8800 عاطل لا حاجة لأي جهة عمل فيهم، ضمنهم %63 أو نحو 2310 مهندسين بتخصصات هندسية مختلفة. والأكثر قسوة، هو تقدير الوزيرة بأن الداخلين المواطنين إلى سوق العمل في المستقبل سوف يبلغ سنوياً، نحو 35 ألف عامل خلال السنوات العشر القادمـة، أي نحـو 350 ألف عامل خلال عقد من الزمن، وتتوقع أن يبلغ العدد نحو 70 ألف عامل سنوياً بعد ذلك، ومازال هناك من لا يعي أو لا يهتم بخطر البطالة السافرة القادمة.
وتقدر الوزيرة عدد الوظائف القابلة للإحلال لمصلحة الكويتيين بحدود 160 ألف وظيفة في القطاعين، وذلك تقدير متفائل جداً، فهي تذكر في موقع آخر بأن معدل رفض المرشحين الجدد لوظيفة عامة يبلغ 5 مرات، إما لأنهم يأملون بجهة أخرى، أو لأنهم يريدون ملفهم مفتوحاً، والإحلال في وظائف الوافدين غالباً يصنف من الوظائف المرفوضة. وإلى جانب احتمال رفض نوع العمل، هناك قيود الإنفاق في الموازنة العامة المثقلة، فالإحلال يعني أجورا أعلى، ومعظم الوزارات والهيئات العامة باتت لا تجد ما تصرفه على غير الرواتب. أما القطاع الخاص، فهو لا يوظف سوى 61.8 ألف موظف مواطن، أو نحو %4.2 من عمالته، وجانباً كبيراً منها إما مفروضة بحكم القانون بنسب للعمالة الكويتية في قطاعات العمل المختلفة، أو قد لا تكون حقيقية، ولا توظف المشروعات الصغيرة سوى %0.2 من العمالة المواطنة، ومبرر تأسيس «صندوق المشروعات الصغيرة» هو خلق وظائف مواطنة كما هو حال العالم حولنا.
وتابع «الشال»: لا نريد أن نسترسل في استعراض ما قدمته الوزيرة، كل ما أردنا هو التذكير بأن أخطر مؤشرات المرض في الاقتصاد الكويتي هي مؤشرات سوق العمل، و«كويت جديدة» تحتاج إلى وعي بتلك الظواهر المرضية وتأكيد استحالة استدامة سوق العمل بوجودها ومصارحة الجميع بضرورة إجراء جراحات فيها.

دراسة «ماكنزي»
وفي تحديث دراسة «ماكنزي» -مارس 2019- حول المنطقة الاقتصادية الشمالية، عرض في بدايتها حول واقع الوضع الاقتصادي الحالي، واستكمالاً لاستعراض وزيرة الدولة للشؤون الاقتصادية حول سوق العمل، سوف نقتطع من دراسة «ماكنزي» بعض ما يتعلق بذلك السوق. فحجم الاقتصاد حالياً وفقاً للدراسة مازال أدنى من حجمه في عام 2014 خلافاً لتوقعات خطة التنمية، ومادام الاقتصاد لا ينمو، فهو إما لا يخلق فرص عمل وإما أنه يفقد بعضها لو توقف دعم الوظائف الاصطناعي في القطاع العام. وتقدر الدراسة أن هناك نقصا في فرص العمل في المستقبل بحدود 400 ألف فرصة أو أكثر، وتقدر عدد الداخلين إلى سوق العمل سنوياً بحدود 40 ألف مواطن - 35 ألفا في تقدير الوزيرة -، يقابل ما تقدم عجز عن جلب استثمار أجنبي مباشر بعد أن فقد حجمه نحو %28 ما بين عامي 2016 و2017، والاستثمار الأجنبي أحد مرتكزات مشروع «الكويت الجديدة» من أجل خلق فرص العمل. وتنسب الدراسة لوزير المالية قوله ان %80 من العاملين في القطاع العام مواطنون، بتكلفة للرواتب والأجور والدعوم تستهلك %75 من نفقات الموازنة العامة، والمتبقي -وفقاً للوزير- لا يكفي لتحسين التعليم والخدمات العامة وتمويل مشروعات تخلق فرص عمل للقادمين إلى سوق العمل.
وتشخيص دراسة «ماكنزي» للوضع الحالي صحيح ومعروف منذ زمن، ولو أردنا تلخيص ما تقدم، فالدراسة تذكر بأن الموظف الوحيد للعمالة المواطنة هو القطاع العام، وهو متخم وعاجز عن الاستدامة في التوظيف، والتعليم والخدمات الصحية وهما الأساس في صناعة رأس المال البشري، في مأزق حقيقي، والبلد أصبحت طاردة للاستثمار الأجنبي المباشر، والنفط وهو عامل الاستقرار المؤقت يفقد أهميته الإستراتيجية وقيمته. ولأن الأوضاع بلغت مرحلة الاختناق، فإن المخرج هو في تنويع مصادر الدخل من أجل خلق فرص عمل جديدة ومنتجة للمواطنين، والأساس، وهو صحيح، استغلال موقع الكويت الجغرافي في تقديم خدمات تجارية ومالية للمكونات السكانية الكبيرة شمال وغرب الكويت. وتذهب الدراســة إلـى تقديـر بـأن هنـاك جـدوى أوليـة لنحـو 42 مشروعا مختلفا -أكثر من نصفها مشروعات عقارية- تكلفتها بحدود 75 مليار دولار أميركي، وعائدها المتوقع بحدود 10 - %20. وتعول الدراسة على الاستعانة بالتجربة والحاجة الصينية لتطويرها وفقاً لثلاث مذكرات تفاهم مع الصين، وهو ضمان لدعم تحويل ما هو على الورق إلى واقع حقيقي، وتحويلها إلى واقع قد يخلق فرص عمل مواطنة ذات إنتاجية عالية تضاهي إنتاجية العمالة السنغافورية، وتقدر عدد تلك الفرص التي قد يخلقها القطاع الخاص بنحو 210 - 220 ألف وظيفة.
ولن نناقش فرضيات الدراسة، ولا حجم الاستثمارات التي سوف تجلبها والمقدرة بنحو نصف تريليون دولار أميركي (400 - 650) مليار دولار أميركي-، ولا المنظومة الضخمة من مشروعات الإنتاج السلعي والخدمي المدونة في الدراسة وفي مذكرات التفاهم مع الصين، والواقع أننا نأمل بدقتها لأننا نعرف بأن الوضع الحالي غير مستدام وخطر ولابد من مخرج له. ولكننا نأمل في الإجابة على سؤال محوري، وهو أن التعليم وقيم الإنتاج والعمل وربطها بالأجر أو المكافأة سوف تظل صناعة المركز أي الدولة المركزية، وهي في تخلف دائم حتى لم يعد بإمكاننا التفريق فيها بين العامل أو المعلم إن كانا بشهادة حقيقية أو مزورة، وسوف يظل هو المزود الرئيسي للعمالة المواطنة وفق متطلبات ونوعية العمل في الشمال. والسؤال الذي لابد من الإجابة عليه، هو، كيف يمكن أن يخلق مثل هذا المركز وظائف عالية الإنتاجية ومنافسة لإنتاجية العمالة السنغافورية بما يفي بمتطلبات استثمار خاص محلي وأجنبي، بينما نشهد انحسارا شديدا في نوعية التعليم وإنتاجية العمل فيها.
واختتم «الشال» قائلاً: لسنا معنيين بحالة الاستقطاب المرضية التي تغيب المضمون وتغلب الموقف السياسي عند إبداء رأي، فنحن ننشد التنبيه من أجل الإصلاح إن كان ممكناً.

سياسات الاستدامة.. لا يتحقق منها شيء

قال تقرير «الشال» إن الإدارة المركزية للإحصاء نشرت أرقام الناتج المحلي الإجمالي بالأسعار الثابتة للربع الرابع من عام 2018، وتقدر تلك الأرقام بأن نمواً موجباً حقيقياً بحدود %2 قد تحقق ما بين الربع الرابع لعام 2017 والربع الرابع لعام 2018، وحققت نمواً أعلى وبحدود %3.7 ما بين الربع الثالث والرابع من العام الفائت. وسبب النمو ما بين الربع الرابع مقارنة بالربع الثالث من عام 2018 هو ارتفاع معدل نمو القطاعات غير النفطية بنحو %9.7، مقارنة مع هبوط نمو القطاع النفطي بنحو -1%.
وأضاف التقرير: لا توحـي الأرقـام بـأن سياسـات الاستدامة الاقتصادية - تنويع مصادر الدخل - المعلن عنها في كل خطط التنمية وفي كل بيانات الحكومة يتحقق منها شيء، والواقع أن الخلل الهيكلي الإنتاجي ومؤشره هيمنة قطاع النفط ومعه القطاع العام على مكونات الناتج المحلي الإجمالي مستمر، كما لاحظنا من أثره الطاغي في الأرقام المنشورة حديثاً. فمساهمة قطاع النفط بالأسعار الثابتة لا زالت أعلى من نصف حجم الناتج الإجمالي، فقد كانت بحدود %53.9 في الربع الرابع من عام 2018، أي أن مساهمـة كـل القطاعـات الأخـرى لا تتعدى %46.1، وهي مساهمة غير مستدامة وإنما مدعومة بشدة من قطاع النفط، وتقلب مساهمتها مرتبط فقط بأسعار وإنتاج النفط وليس بتطور صناعاته. ولم تتخط مساهمة أي من القطاعات الأخرى حاجز الـ %10 عدا قطاع الإدارة العامة والدفاع والضمان الاجتماعي وبحدود %10.3، ولا علاقة للقطاع بأي نهج تنموي.

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات