الإمام الحسين معلم ومربٍّ ومرشد
إعداد: عمار كاظم -

تربّى الإمام الحسين (عليه السلام) وعاش في بيت الوحي والنبوّة والطهارة، وانفتح وهو في صغره على سماحة الإسلام وأخلاقياته، وشرب من معينه، حتى امتلأت شخصيته منه، متمثلاً أخلاق جدّه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وأُمّه الزهراء (عليها السلام)، وأبيه الإمام عليّ (عليه السلام)، وأخيه الإمام الحسن (عليه السلام)، ثمّ انطلق إلى الحياة ممارساً دور التبليغ والوعظ والإرشاد، يبتغي في كلّ ذلك مرضاة الله، فكان الواعظ والمعلِّم والمرشد والإمام للإسلام كلّه من بداية نشاطه. ومن حكمِهِ (عليه السلام): «لا تَتكلَّف ما لا تطيقُ، ولا تَتعرَّض لما لا تُدركُ، ولا تَعِد بما لا تقدرُ عليه، ولا تُنفق إلّا بقدَرِ ما تستفيدُ، ولا تطلب من الجزاءِ إلّا بقَدَرِ ما صنعتَ، ولا تفرح إلّا بما نلتَ من طاعةِ اللهِ، ولا تتناول إلّا ما رأيتَ نفسَك له أهلاً». فالإمام الحسين (عليه السلام) يعلّمنا أن نقوم بما نقدر عليه من عمل وأمر، بحسب إمكاناتنا وطاقاتنا، وألّا نطلب ما نعجز عنه، فنضيِّع الجهد والوقت، وألّا نعد بما لا نستطيع أن نفي به، وأن يكون إنفاقنا في الوجهة السليمة، وأن يكون فرحنا هو فرح طاعة الله في قولنا وعملنا وحركتنا، وأن نتصدّى لأُمور نملك عناصر المواجهة والتصدّي لها، والسير بها في الجهة الصحيحة. ومن كلامه لما سُئِل (عليه السلام): ما الفضل؟ قال: «ملكُ اللسانِ، وبذلُ الإحسانِ». قيل: فما النقص؟ قال: «التكلّفُ لما لا يُعنيك». ويعلّمنا (عليه السلام) أنّ الفضل هو أن نملك ألسنتا، بمعنى تحريكها في قول الحقّ، وعدم الانزلاق في قول كلّ ما حرَّمه الله، ممّا يُسيء إلى أنفُسنا والناس من حولنا، وأنّ الفضل أيضاً فيما نبذله من إحسان إلى الناس والحياة بما يرفع من شأنهما، كما أنّ النقص، في المقابل، هو في دخول المرء في أشياء لا تخصّه وتعنيه، ممّا يجلب المشاكل له ولمحيطه، وبما لا ينسجم مع أخلاقيات الرسالة وفطرة الإنسان السوية. وقال الإمام الحسين (عليه السلام) ناصحاً: «لا تتكلَّمنَّ فيما لا يَعنيك، فإنّي أخافُ عليك الوِزرَ، ولا تتكلَّمنَّ فيما يَعنيك حتى ترى للكلامِ مَوضِعاً، فرُبَّ مُتكلِّمٍ قد تكلَّمَ بالحقِّ فَعِيبَ، ولا تُمَارِينَّ حليماً ولا سَفيهاً، فإنّ الحليمَ يَقلِيك، والسَّفيه يُؤذِيك، ولا تَقُولنَّ في أخيك المؤمنِ إذا تَوَارى عنك إلَّا ما تُحِبُّ أن يقول فيك إذا تَوَاريتَ عنه، واعملْ عملَ رجلٍ يَعلَمُ أنّه مَأخُوذ بالإجرامِ، مَجزى بالإحسانِ، والسلامُ». يعظنا سيِّد الشهداء (عليه السلام) الذي هو- إمام الإسلام والمسلمين - بترك كلّ ما لا يعنينا من قول أو فعل، حتى لا ندخل عن قصد أو غير قصد في الذنوب والمعاصي، فكثيرون منّا يتكلّمون في حال هذا أو ذاك، وفي خصوصيات هذا أو تلك، بما لا يعنيهم من قريب أو بعيد، فيقعون في الغيبة والنميمة من حيث لا يشعرون، ويقعون في مخالفة تعاليم الله تعالى ودعوته في الدخول في الخير، وما يجلب المصلحة للفرد والجماعة، فالدخول فيما لا يعنينا يتسبب في العادة بالفتنة والقيل والقال وردود الأفعال وإحداث القلاقل. حتى الكلام فيما يخصّ الإنسان ويعنيه، لابدّ أن ينطق به ويتحدَّث به في المواقف والأوقات المناسبة، كي يؤتي ثماره المرجوَّة، ويحدث الأثر المطلوب في النفوس والقلوب بما يصفّيها ويقارب بينها، فللكلام مقاصد تتحقّق عندما يكون الظرف مناسباً.
ختاماً، المجتمع الإيماني يُقاس بمدى اعتباره والتزامه بوضوح خطّ الله وتأدية شكره وتأكيد خشيته مزيداً من النهوض والعمل بمستلزمات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في مجالات الحياة وتفاصليها الخاصّة والعامّة. وهذه هي رسالة الإمام الحسين (عليه السلام) لنا؛ أن نخشى الله حقَّ خشيته، وأن نبتعد عن المضلِّلين في كلّ زمن، وأن نكون فعلاً ممّن يتحمّلون إقامة فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

الآداب المعنوية للصلاة

إنّ للصلاة موقعها الخاص في الإسلام فهي معراج المؤمن وهي عمود الدِّين. أوقات يتفرّغ فيها العبد لربّه، يرفع يديه إليه بالتكبير والذِّكر والدُّعاء لها أثرها الأساسي في الدُّنيا فهي التي تنهى عن المنكر، وأثرها المحوري في الآخرة فهي التي إن قُبِلت قُبِل ما سواها وإن رُدت رُد ما سواها. والصلاة ليست مجرد تحريك للبدن واللسان فهذه الحركات والكلمات لها امتدادها في وجدان المؤمن وقلبه ونفسه، فعن الإمام الصادق (عليه السلام): «إنّ العبد ليرفع له من صلاته نصفها أو ثلثها أو ربعها أو خمسها، وما يرفع له إلّا ما أقبل عليه منها بقلبه». وقال تعالى: «إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ» (العنكبوت/ 45).
في الصلاة توجّه إلى عزّ الربوبية وتلك هي العبودية الحقّة.. بمعنى أن يدرك الإنسان عظمة الله وكبرياءه وجبروته، وفي نفس الوقت أن يدرك ذلّته وفقره وحاجته ومسكنته أمام عزّة الله وغناه، هذا الإدراك هو من الآداب القلبية في العبادات، وهو من الأُمور المهمّة؛ لكي يستطيع الإنسان التقرّب من الله ومعرفته. بل كمال الإنسان ونقصه من حيث إنسانيّته مرتبط وتابع لهذا الإدراك؛ فكلّما كان الإنسان محبّاً لنفسه أنانياً، لا يرى أكثر من أُفق نفسه، مستغرقاً في حبّ ذاته وعشقها، كان بعيداً عن كمال الإنسانية وبالتالي بعيداً عن معرفة الله وحبّه وعشقه. يقول الإمام الصادق (عليه السلام): «العبودية جوهرة كنهها الربوبية فما فقد في العبودية وجد في الربوبية، وما خفي من الربوبية أصيب في العبودية». فمن سعى بخطوة العبودية وأدرك ذلّة النفس وفقرها وصل إلى عزّ الربوبية. وفي مقامنا كلّما قوي في النفس ذلّ العبودية وعزّ الربوبية زادت الروحانية في العبادة، كالصلاة وغيرها أدرك الإنسان حقيقة العبودية وسرّ العبادة، فعلى الإنسان الذي يريد الوصول إلى الله تعالى ومعرفته أن يهاجر من بيت النفس إلى الله ورسوله ويسلّم كيانه إلى الله تعالى، بذلك يكون قد خطا الخطوة الأولى في روحانية العبادة.

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات