عندما كنّا أطفالا، كنا ننتظر اليوم الذي يأتي لننضم إلى عالم الكبار! العالم المثير الناضج الواسع، العالم الممتلئ بالتجارب والتحديات. كنا نظن أن صندوق الدنيا سيفتح لنا لتتدفّق هداياه ونتلاقفها لنسعد بها؛ فنحن في عالم الكبار ومنه! عندما كنا أطفالا، كنا ننظر للكبار حولنا بعين الإعجاب والبطولة: رأيهم الأصح ونصيحتهم الأفضل وهم الأقوى! غرورهم كبرياء، وضحكاتهم المجلجلة سلطة، وتجاهلهم لمشاعرهم سطوة. باختصار، كانوا في نظرنا أبطالا، وكم وددنا أن ننضم لعالمهم في أسرع وقت.
وتسارعت الأيام، سنة تشابك يد سنة، وعجلة الزمان تتدحرج بقوة ساحبة معها أعمارنا، تسارعت وتيرة الزمن بصورة مخيفة، وولجنا عالم الكبار! أصبح هناك أطفال غيرنا، وأصبحت بعض المسميات تعانق أسماءنا: خالة وعم، بابا وماما، سيد وسيدة! ما هذا؟ هل يقصدونني في هذا النداء؟! من هذا الذي ولج عالم الشيخوخة؟ يا إلهي كم كانت سطوته في الأمس؟! وما هذا أيضا؟ إذا اجتزنا عتبة باب الكبار الآن!
ربحنا الكثير في عالم الكبار، ولكننا خسرنا الكثير الكثير من عالم الأطفال! مسؤوليات ترهق الأكتاف وتحني الظهور، ألم ترفضها الجبال وتلقفها الإنسان العجول الغرور؟! ظننا أننا تحررنا من قيود الكبار لنقبع تحت ضغط قيود العادات والتقاليد البالية، ونظرة المجتمع المادية، والتظاهر المقيت بالقوة، لتزداد الأغلال الخارجية وتخنقنا شيئا فشيئا لنرتدي القناع فوق القناع ونكمد صوت قلوبنا وأرواحنا تحت قيد: يجب ومفروض وعيب! تبعا لمقاييس ليس لنا بها من سلطان!
خسرنا تلقائيتنا، جمال نفوسنا، براءة قلوبنا وابتسامتنا! في عالم الكبار، للابتسامة ثمن وسبب، فهي في كثير من الأحيان وسيلة لغاية! اختلف قاموس الإنسانية والفطرة السليمة ليحل محله قاموس المصلحة والمادية! واشتقنا الى عالم الطفولة وبدأنا ننادي به!
كبرنا وكبرت الهموم وكبر الشوق والحنين لأيام خلت ولن تعود، لوجوه رحلت وعزّ لُقياها، لضحكات وابتسامات ودمعات غادرتنا لتعاود الزيارة من آن لآخر كطيف حلم! اشتقت الى ذلك العالم، وتعاهدت أن أجل الطفل الساكن في مهما كبرت، لكنني بدأت أحس أن الطفل القابع داخلي بدأ يئن ليهمس في أذني: لقد كبرت!

رولا سمور
Rulasammur@gmail.com
www.growtogether.online

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات