السعودية تفتح ذراعيها لعالم جديد
الرياض - أحمد ناصر-
دار في ذهني عدد من الصور للحياة في المملكة العربية السعودية، في العهد الجديد بعد التغييرات التي سمعنا عنها والقرارات الجديدة التي صدرت أخيرا فيها، فآخر زيارة لي الى مدينة الرياض كانت قبل خمس سنوات تقريبا، وكانت الأمور كما عرفناها، فهل تغير الوضع الاجتماعي عما كان عليه، أم أنه لا يزال كما هو.
صور كثيرة جالت في خاطري حول هذا الموضوع، ولكن من الخطوة الأولى لي في مطار الملك خالد الدولي، وضحت الصورة تماما.. السعودية دخلت عالما جديدا.

عند بوابة دخول المطار كانت البداية، الإجراءات في كل المطارات حول العالم متشابهة إلى حد كبير، مع اختلاف بسيط بينها فيما يعود إلى طبيعة بعض البلدان، ومن بينها السعودية، ولكن الأمر اليوم اختلف.. كان العمل في المطار في السابق مقتصرا على الرجال، إلا في أماكن تفتيش النساء، اليوم تجلس فتاة كاشفة عن وجهها على جهاز تفتيش الحقائب، وبجانبها على الجهاز الآخر يجلس زميل لها يؤدي العمل نفسه، والمسافرون يمرون بكل راحة ويسر على الجهازين، من دون أن تخصص الفتاة للنساء والشاب للرجال، المكان يتسع الجميع وهم يقفون صفا واحدا لتفتيش الحقائب، كنت أقف في هذا الصف مع المسافرين القادمين إلى السعودية، وأختلس النظر إلى الصف الآخر.. لم أكن أشاهد أناسا يقفون في صف التفتيش، لكنني كنت أرى لوحة جميلة جديدة للسعودية الحديثة.
قبل عشرين سنة تقريبا كانت مراكز الحدود السعودية في المطار والحدود البرية مشكلة كبيرة، العاملون فيها كانوا يعاملون المسافرين بجفاء، في هذه الرحلة كان الأمر مختلفا تماما.. كان موظفو وموظفات الجوازات غاية في الروعة والتعامل الجميل، قال لي الموظف الذي ختم جوازي «تفضل أنت في بلدك» كانت ابتسامته لوحة جميلة أخرى أعطتني إحساسا بالراحة.

استقبال
أ. الزهراني موظفة استقبال في أحد الفنادق الراقية خمس نجوم، استقبلتنا بابتسامة وقامت بإجراءات دخولنا، ثم قالت لنا «حياكم الله في الرياض بلدكم وديرتكم» سألتها عن طبيعة عملها وهل هي راضية عنه، فقالت:
الحمدلله.. نحن الآن نسير نحو حياة أفضل، وتغيير ومستقبل ان شاء الله أفضل، في السابق لم تكن المرأة السعودية تعمل في هذه المجالات كالاستقبال في الفنادق، اليوم صار الأمر مختلفا، أنا وزميلاتي نستقبل زوار المملكة ورواد الفندق وكلنا ثقة بأنفسنا أولا، ثم بدعم القيادة لنهضة بلدنا الحديثة، وأشكر أسرتي التي أعطتني هذه الثقة الكبيرة، نحن الآن نسير نحو المستقبل بخطى واثقة.
أعجبني جدا تعامل رواد الفندق مع الزهراني وثقتها بنفسها، في الماضي لم نر امرأة تستقبل ضيوف الفندق، أما اليوم فها هي تقف جنبا إلى جنب مع زميلها الرجل.
صورة أخرى لفتت نظري في الفندق.. عدد كبير من السياح الأجانب يزورون السعودية، رجال ونساء يقفون في صف واحد للقيام بإجراءات الدخول، سياح ورجال أعمال وإعلاميات ومندوبات.. يتوافدون على السعودية طوال العام كما قال لي موظف الاستقبال.

مولات
اعتدنا في السابق عندما نزور الرياض أن نتسوق في شوارع السويلم والمعيقلية، وهي من الوجهات المهمة سياحيا لأهل المدينة والسياح على السواء، اليوم تغيرت الوجهات، ومع الانفتاح الجديد والتغييرات التي تشهدها السعودية، أصبح لدى الناس والزوار ثقافة مختلفة بالنسبة للتسوق، فلم تعد تلك الشوارع والأسواق تجذبهم بقدر جاذبية المجمعات التجارية و(المولات) التي بدأت تنتشر بصورة كبيرة خلال سنتين مضتا فقط.
في أحد المجمعات الكبيرة (الرياض مول) توقفت عند البوابة الزجاجية الجميلة المزدحمة بالداخلين والخارجين، أول ما يلفت النظر فيها غياب لوحة «للعائلات فقط» التي كنا نشاهدها كثيرا على أبواب المجمعات، الشباب والأسر جنبا إلى جنب يدخلون ويخرجون من المول، تحدثت مع أحد الشباب هناك وسألته عن رأيه في الانفتاح الذي تشهده السعودية فقال باختصار شديد «كانوا في السابق يعتقدون أننا سيأكل بعضنا بعضا إذا عشنا مع بعض، ولكن ها نحن اليوم نتعايش بكل ثقة وراحة، الجميع يحترم نفسه وثقافته ويعيش حياته بيسر وراحة».
الوضع داخل المول جميل جدا، حركة كبيرة وتعايش جميل بين الجميع، إلى جانب هذه الحركة المريحة.. هناك تنوع جيد في المحلات ونوعيتها، فلم تقتصر المحلات على الملابس والعطورات فقط، بل هناك محلات التذكارات والمكتبات وأشهرها محل «فيرجن» الشهير.. يا للهول إنها مفاجأة جميلة أن تشاهد هذا المحل في الرياض!.
ومن الأمور المهمة جدا التي تعكس مدى التغيير الذي تشهده المملكة السعودية، اختفاء رجال الدين (رجال هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) بزيهم المتكرر.. دشداشة وغترة، هؤلاء الرجال الذين يسيرون جماعات في الأسواق وفي كل مكان لم أرهم، لفت نظري غيابهم واختفاؤهم كثيرا، وما يجب أن يشار إليه هنا أنه مع اختفاء رجال الدين من المولات والأسواق والمجمعات التجارية، كان الجميع يسير ويتمشى ويتسوق بكل راحة، من غير أن ترى تصرفات غريبة أو مزعجة للأسر والعوائل التي تملأ المكان، ولم أسمع طوال فترة وجودي في المجمع من اشتكى من إزعاج الشباب.
عند البوابات يقف رجال أمن المجمع يرتدون زيا رسميا خاصا بهم، كما ينتشرون في نقاط محددة وسط المجمع، سألت أحدهم عن مهمته فأجابني مبتسما «نقوم بحفظ الأمن في المجمع، ونساعد الجميع على قضاء وقت جميل والاستمتاع بوقته هنا فقط، ولا نتدخل في شؤون الناس».

إعلانات
خرجت من المول عائدا إلى الفندق، وحين انتظرت التاكسي.. كان المنظر أمامي جميلا.. الرجال والنساء يقفون في طابور انتظار التاكسي والسيارات، ليس هناك صفان، بل واحد يقف فيه الجميع، الكل مشغول بنفسه وبمن معه، الثقة بين الجنسين أجمل ما يمكن أن تشاهده في المجتمع.
في الطريق شاهدت إعلانات للسينما والمسرح وحفلات غنائية موسيقية، سألت عبدالرحمن سائق التاكسي اذا كان يذهب إلى السينما، أجاب على الفور «نعم، إنني أحب السينما منذ طفولتي، وكنت أتمنى لو عندنا سينما في الرياض لكي أذهب إليها، الآن تحقق لي هذا الموضوع وأنا أذهب كل خميس مع زوجتي إليها» وصلت الفندق.. سلمت على رجل الأمن المبتسم دائما، سألني عن يومي فأجبته بأنه كان ممتعا، قال لي «السعودية تفتح ذراعيها لعالم جديد».

كافيه لاتيه

1_4


مع انتشار ظاهرة المجمعات والمولات التجارية، انتشرت معها ثقافة الكافيهات والمقاهي الحديثة، فبعد أن كانت المقاهي حكرا على الرجال وعشاق الشيشة والكرك، اقتحمت الكافيهات الحديثة المولات وصارت تنافس المحلات الأخرى، ففي كل ممر وزقاق في المجمع تشاهد مقهى وكافيها جميلا أنيقا بكراسيه الداكنة، ويجلس فيه رجال ونساء على السواء، لا فرق بينهما ولا حواجز ولا لافتات (للعوائل فقط) تغير جميل تشهده المملكة.
ومع انتشار ثقافة الكافيهات.. بدأت لغة جديدة تقتحم عالم الشباب شيئا فشيئا، وقفت في صف طلبات القهوة فكان الشباب يطلبون الكافيه لاتيه والسبرسو والسبانيش لاتيه، إلى جانب الدلة العربية التي لا تزال تحتفظ بمكانتها بين الجلساء، ولكن شاركتها القهاوي الحديثة وهي لغة عالمية تجمع الناس في كل مكان حول العالم، وليست القهوة فقط التي تغيرت.. بل تسمع كلمات أخرى مثل «مارغريتا» و«ببروني» و«ستيك» وغيرها من الوجبات العالمية اللذيذة.

سائقة

1_5


عند بوابة المطار كانت المفاجأة الجميلة التي توقعتها، امرأة تقود سيارتها.. نزلت منها ورحبت بسيدة ورجل مسن، وضع حامل الحقائب الحمولة في صندوق السيارة، أركبت المسن في المقعد الأمامي، ثم ركبت بجواره وقادت سيارتها وانطلقت، مشهد يتكرر في كل مكان.. لكنه هنا مختلف تماما، له طعم مختلف ورؤية أخرى، المرأة السعودية تتمتع بحقها في قيادة السيارة.
كان هذا المشهد أمامي مباشرة عند باب المطار، لكنني لم أشاهده في أماكن أخرى في الرياض إلا قليلا جدا، كنت أنظر يمينا ويسارا خلال سيري في شوارع العاصمة خلال فترة إقامتي، ولكن لم أر امرأة تقود سيارتها إلا قليلا جدا، ولكنه كان كافيا ليعبر عن المستقبل الجميل الذي ينتظر السعودية، سألت سائق تاكسي في إحدى المرات عن قيادة المرأة للسيارة، فأجاب بأنهن موحودات ويقدن سياراتهن ولكنهن قليلات حتى الآن، وبعضهن يعملن في شركات التاكسي المعروفة مثل أوبر وكريم.

حجاب

لن يحتاج الزائر للسعودية إلى التدقيق ليعرف أن الحياة الاجتماعية بدأت تتغير بصورة واضحة، فبمجرد الخروج من المطار تشاهد عدد النساء اللواتي يسرن من غير حجاب، لكنهن في الوقت نفسه لا يزلن يرتدين العباءة، كما تشاهد الرجال يسيرون جنبا إلى جنب مع النساء في قبول رائع وجميل للطرفين.. الحياة تسير طبيعية من غير أن تسمع كلمات التحرش.
سألت رجلا كان يقف بجانبي ينتظر التاكسي:
- هل يتقبل الرجال هنا مظهر النساء من غير حجاب؟
- هذا ليس وضعا جديدا في المملكة، لكنه الآن أصبح أكثر وضوحا وأمرا طبيعيا تشاهده في كل مكان، وهو إيجابي من وجهة نظري، وجميل أن ترى الحياة تسير بطريقة طبيعية، والكل يشعر بهذا الانفتاح الجميل.

1_2

العلا أصبحت الوجهة المفضلة للسياح



1_1

سياح غربيون في "فورمولا إي" السعودية

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات