عصب مؤسسة البترول ممسوك من أولئك الأشخاص.. أنفسهم
نأمل في أن يحالف النجاح والتوفيق مجلس ادارة مؤسسة البترول ومجالس إدارات الشركات النفطية والمجلس الاعلى للبترول، بعد التشكيلات الاخيرة، وإن كانت عملية الاختيار لم تراعِ التجارب السابقة التي مر بها القطاع، ولم تأخذ بالحسبان المتغيّرات الاستراتيجية التي تمر بها الصناعة النفطية، وما تتطلبه المرحلة المقبلة من قدرات وكفاءات متميزة وفق منظور لمتابعين للشأن النفطي. ما استوجب طرح تساؤلات عدة حول عملية الترشيح والاختيار: هل تخضع لمفاضلات مهنية ام للتوزيع الخيري، هل هناك نقص في توفّر كفاءات كويتية، كي يعاد تعيين شخصيات لها كل الاحترام لا تتغير مع كل تشكيل جديد! تنقل من مجلس ادارة الى آخر؟! علما بأن هناك اكثر من 100 قيادي نفطي تقاعدوا خلال السنوات الماضية، منهم حمَلة دكتوراه وماجستير وهندسة وكل التخصصات، لديهم سمعة ناصعة وخبرات طويلة في عمليات الانتاج والاستكشاف والتنقيب وعمليات النقل البحري النفطي والحسابات المالية والتدقيق واقتصادات النفط والتكرير وتصنيع البتروكيماويات وتسويق النفط ومشتقاته والقوانين المتعلّقة بالعقود والبيئة. هؤلاء جميعا عملوا بإخلاص وتفانٍ وحقّقوا إنجازات مشرفة خلال عملهم، فلماذا لا يستفاد من خبراتهم المتنوعة؟ ولماذا لا يحظى هؤلاء بفرصة اخرى لخدمة الكويت؟ ولماذا تظل عضوية المجالس حكرا على البعض دون الآخرين؟ وفي المقابل، لا يتورّع بعض المطبّلين من اظهار رضاهم تزامنا مع كل تشكيل جديد، في حين يلتزمون الصمت عندما تنشر جهات رقابية ذات مصداقية ومهنية؛ عالية كديوان المحاسبة، تقاريرها الدورية عن تدني اداء المؤسسة وشركاتها، متجاهلين مساءلات برلمانية دستورية تتوالى على وزراء نفط سابقين، تنتهي باستقالة الوزير قبل الاستجواب أو بعده، لتفادي جلسة طرح الثقة أو تغيير وزاري يطيح الوزير، ومتغافلين ايضا عن احكام قضائية نهائية، ابطلت قرارات ادارية ظالمة تجاه العاملين في النفط، فأين هم من الغيرة الوطنية في تغليب المصلحة العامة؟
كان لاستجواب النائبين الفاضلين عمر الطبطبائي وعبد الوهاب البابطين لوزير النفط السابق بخيت الرشيدي أثر عميق في الرأي العام الكويتي لدقة المعلومات وكثرة الوقائع. وقد استجاب مجلس الوزراء، مشكورا، لتشكيل لجنة تحقيق متخصصة لجلاء الحقيقة كاملة، تبعها تشكيل لجنة قضائية. وتطورت الامور الى تعيين وزير ورئيس تنفيذي جديدين وتغيير مجلس ادارة المؤسسة والمجلس الاعلى للبترول، وكذلك مجالس ادارات الشركات النفطية. هل كل هذه التغييرات جاءت كمطلب من نواب الشعب فقط، ام ضرورة ملحة اقتضتها المصلحة العامة؟

لعل من أبرز الأخطاء السابقة ما يلي:

1- تأخّر المشاريع الرأسمالية الكبرى وسوء تقدير تكاليفها وضعف العوائد، مقارنة بحجم الاستثمار الضخم وكثرة الأوامر التغييرية.

2- الإخفاق في تحقيق أهداف الخطة الإستراتيجية 2020 مثل رفع إنتاج النفط وزيادة إنتاج الغاز الحر ورفع الطاقة التكريرية.

3- شراء البنزين وزيت الوقود من الخارج لسد احتياجات الدولة، في حين يفترض واجب المصافي هو إنتاج وتأمين تلك الاحتياجات محلياً.

4- عدم تحويل المؤسسة أرباحها للسنتين الماليتين 2008/2007 و2009/2008 إلى خزينة الدولة، بإجمالي 3.975 مليارات دينار، والبدء بالسداد من 2019/2018 إلى عام 2025/2024.

من المعلوم ان المجلس الاعلى للبترول يضع السياسات العامة للثروة النفطية للبلاد وتنمية الانشطة المرتبطة بها، وضمان الاستثمار الافضل وتحقيق أعلى العوائد المادية. ولرسم سياسات متكاملة ناجحة يتطلب اولا المعرفة التامة بطبيعة هذه الثروة وكيفية حسن استغلالها بممارسات مثلى، ثانيا لحسن استغلال هذه الثروة بطريقة مثلى يتطلب توافر خبرة متعددة تشمل كل الانشطة النفطية، ثالثا لتوافر خبرة بالانشطة النفطية يتطلب وجود كفاءات فنية ومؤهلات ذات اختصاص مرتفع بين الاعضاء المستقلين، خبرات مثل د. علي أكبر ود. خليفة الصباح.
وبالنظر الى الاعضاء المستقلين، نجد أن اغلبيتهم وزراء سابقون لهم كل الاحترام، فقد تمت تجربتهم ومعرفة قدراتهم خلال عملهم السابق، ونظرا لغياب الكفاءة الفنية النفطية عن المجلس يخشى تعرضه لمشاريع مثل كي - داو، حيث تمت الموافقة والالغاء خلال شهر واحد كلفا الدولة خسارة 2.3 مليار دولار، والمصفاة الرابعة كان العائد المتوقع للمشروع بحدود %11، وتبين بعد ذلك ان النسبة لا تزيد على %5، والغاء مناقصة الانابيب النفطية بقيمة 866 مليون دولار!
مر القطاع النفطي بتغييرات هيكلية عام 2013 قبيل استقالة هاني حسين وزير النفط الاسبق بأيام، استهدفت التغييرات وفق بيان المؤسسة «الارتقاء بالاداء العام.. ورغبة مجلس الوزراء في ضخ دماء جديدة، وتهيئة الفرصة للجيل الثاني لتحمل المسؤلية كاملة»، فهل حققت تغييرات 2013 أهدافها؟ عدا ازاحة مزاجية لبعض القيادات المتميزة بحجة خلق فريق واحد! للاسف الشديد، لم يحسن مجلس ادارة المؤسسة اختيار بعض القيادات النفطية، وكانت اشكالية اساسية ترتبت عليها اخطاء ادارية واستراتيجية متتالية شهدها القطاع، من أبرزها الاضراب العام للعاملين. وتكرار ملاحظات ديوان المحاسبة الادارية والفنية لعدة سنوات هو دليل على عدم قدرة تلك القيادات على حل المشاكل، احتفلوا باغلاق مصفاة الشعيبة، وفشلوا بالاحتفال بتشغيل المصافي الجديدة! انشغل بعضهم بجمع جوائز من مجلات كرجل العام، وجائزة افضل رئيس تنفيذي، وغيرها من البروباغندا النفطية، بينما ظلت المشاريع النفطية الكبرى متعثرة امام اعين اعضاء مجلس الادارة! المطلوب اليوم من المؤسسة القفز خطوتين نحو الامام لتعويض ما فاتها، وفهم الرسالة بطريقة سليمة. فالتخطيط المسطح لم يعد يجدي نفعا تماما، كترحيل الاهداف الاستراتيجية، فماذا يعني اداء متواضعا لعدة سنوات لمؤسسة عريقة معروفة بحجمها وضخامتها في العالم؟ انه يعني اداء ضعيفا للاقتصاد الوطني الكويتي.
هل تغييرات 2019 ستنقل القطاع النفطي الى مركز متقدم؟ نأمل ذلك، ونتطلع في قادم الايام الى قرارات جديدة وجيدة ترتقي بالقطاع وتسهم في تحسين مركز المؤسسة في كل الانشطة النفطية المختلفة محليا وعالميا، فقد شهد القطاع خلال السنوات العشر الماضية في كل عام تصاعداً بعدد الاسئلة والاستجوابات لوزراء النفط، يتغير الوزراء ويتغير الرؤساء التنفيذيون والمجالس، ولكن يبقى بعض الاعضاء من دون تغيير! فهل الترشيحات مصدرها نفس المدرسة الفكرية؟ أي أن نفس الأشخاص من النادي نفسه سيستمرون في الهيمنة واللعب من وراء الستارة؟

عبدالحميد العوضي

خبير متخصص في تكرير وتسويق النفط

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات
    view tracking