لا بد أنه لوحظ تزايد نوع جديد من المتسوّلين، وهم يحومون حول الإشارات المرورية الحمراء، أدواتهم زي عمال النظافة الأصفر، ومكنسة خشنة ومجرفة صدئة، وملامح مستعطفة يستدرّون بها العواطف لعملهم الشاق تحت لهيب شمس الكويت المحرقة وشتائها القارس البرودة، يحكّون بمكانسهم أرصفة الإشارات المرورية حكّا، ذهاباً وإياباً، ليلاً ونهاراً، حتى كادت ألوانها السوداء والصفراء تختفي، ينافسهم في ذلك أطفال تركهم آباؤهم عند تلك الإشارات بلا رحمة ولا إنسانية، يعرضون على العابرين بضائعهم الرخيصة، إنها ظاهرة تسوّل غير حضارية عند الإشارات الضوئية.
هؤلاء المتسوّلون، المرتادون للزي الأصفر، هم في حقيقة الأمر، لا يقومون بأي عمل إطلاقاً، فهم لا ينظفون ولا يكنسون، ولكنهم يغيّرون أماكنهم مع تغيّر اتجاه السير، فمن يراقبهم يلاحظ أنهم يتنقلون بسرعة عجيبة من اتجاه سير إلى آخر، يلاحقون الإشارات الحمراء أينما وجدت.
فعند الإشارات الضوئية الحمراء، يقوم المتسولون بإزالة أتربة قليلة كانوا قد جمعوها مسبقاً، ثم يبدأون بحك الأرصفة الجانبية بالمكانس الخشنة وكأنهم ينظفونها، وهم ينظرون خلسة إلى ركاب السيارات، فيختارون ضحاياهم من المواطنين، ويفضلون منهم النساء، فهن أكبر مصدر رزق لهذه العمالة السائبة، لأنهن الأكثر عاطفة، فيمرون عليهن ويبدأون برفع اليد بالسلام بوجوه توحي بالبؤس.
تبدأ عملية تجميع الدنانير متزامنة مع الإشارة الحمراء، وكلما زادت المدة الزمنية للإشارة زادت مكاسبهم، وما أن تضيء الإشارة الخضراء حتى يعيدوا نثر أتربتهم الى أماكنها بسرعة عجيبة، لينتقلوا بعدها إلى الجهة الأخرى حيث الإشارة الحمراء، هذه الآلية تتكرر يومياً.
يقال إن لكل موقع ثمناً، فالإشارات الواقعة عند المناطق المميزة أو تلك المكتظة بالسيارات تكون أعلى ثمناً، لأنها أكثر إدراراً للأموال ممن يعتقدون في أنفسهم أنهم فاعلو خير، وهم في حقيقة الأمر يشجعون على هذا النوع من التسوّل أمام سمع وبصر مسؤولي «البلدية» و«الداخلية».
كما يقال إن بعض من يرتدون الزي الأصفر من متسولي الإشارات ليسوا بعمال نظافة، بل هم مستوردون من الخارج بكفالة شركات تتاجر بهم ويدفعون لها أتاوات مقابل بقائهم في الكويت، ويقال أيضا إن رواتب عمال النظافة المتعاقد عليها مع شركات النظافة تقدر بـ 160 ديناراً أو أكثر، وإن بعض تلك الشركات لا تصرف إلا 30 ديناراً للعامل، وهي غير كافية لهم، وهو إثراء غير مشروع لتلك الشركات على حساب هؤلاء المساكين، وفي كثير من الأحيان تمتنع تلك الشركات عن دفع رواتبهم، وهذا هو سبب كثرة اعتصامات هذه العمالة وإضراباتهم، ليتحوّلوا بعدها إلى عمالة سائبة تهدّد الأمن والاستقرار.
الحقيقة، إننا لا نرى سبباً يمنع «البلدية» من «ميكنة» قطاع النظافة، فالاستعانة بآلات خاصة للنظافة لها فوائد لا حصر لها، وأولها الفائدة الأمنية، فبـ«ميكنة» عمليات تنظيف الشوارع سيختفي معها آلاف العمالة الهامشية والسائبة، وستساهم في التقليل من تجار البشر والإقامات، ولا نقول سيقضي، وستختفي مناظر مخزية لعمال تركوا عملهم ليتسوّلوا عند إشارات المرور.

طلال عبدالكريم العرب
talalalarab@yahoo.com

تعليقات

التعليقات:

WhatsApp
اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات
    view tracking