النفط والتحرير.. دروس وعِبر
فبراير شهر جميل، يحمل معه أجمل الأعياد، الاستقلال والتحرير، ومن الصعب ان يمر عيد التحرير من دون تذكر ايام الغزو المروعة.
ذكريات مؤلمة، واخرى رسمت البطولة والتضحية والمواقف المشرفة، وكان لمؤسسة البترول الكويتية وشركاتها والعاملين فيها من مختلف المستويات والجنسيات دور رائد، إذ عملوا باخلاص وتفان خلال الغزو وبعد التحرير، لتستعيد الكويت مكانتها، وتتبوأ موقعها المتقدم في عالم النفط.
قبل الغزو بأشهر، افتعل العراق ازمة مع الكويت واتهمها والامارات بزيادة انتاج النفط وخفض اسعاره لتضر بالاقتصاد العراقي! كانت اسعار النفط تتراجع تدريجيا من 20 الى 15 دولاراً للبرميل خلال يناير - يونيو 1990، واسباب تراجع الاسعار تعود الى اجتماع سابق لـ «أوبك» في 28 نوفمبر 1989 اتفق اعضاؤها فيه على زيادة سقف الانتاج الى 22 مليون برميل يوميا بدءا من النصف الاول لعام 1990. والجدول المرفق يدحض الادعاءات العراقية فكل دول «اوبك» بلا استثناء زادت انتاجها بما فيها العراق نفسه!
استمر النظام العراقي يرمي الكويت باتهامات باطلة مثل سرقة النفط من حقل الرميلة! وافتراءات الزحف المبرمج نحو الحدود الفاصلة بين البلدين، كانت كلها مبررات تمهد لاحتلال الكويت لاحقا. وقبل الهجوم على الكويت بأيام عقدت «اوبك» اجتماعا في 27 يوليو 1990 اتفق فيه على الاستمرار بنفس حصص الانتاج السابقة بمجمل 22.449 مليون برميل يوميا اعتبارا من أول اغسطس الى نهاية السنة ـ وسعر سلة اوبك آنذاك 21 دولاراً للبرميل.
جاء الغزو مفاجئا وغادرا، رغم التطمينات الدولية، كما جاء تصريح طارق عزيز وزير خارجية العراق بعد احتلال الكويت باسبوع صادما ومدويا، عندما قال «الان بلغت احتياطياتنا 200 مليار برميل، أي خمس احتياطي العالم، وبلغ انتاج العراق النفطي 4.5 ملايين برميل يوميا».
وعلى ضوء احتلال العراق للكويت، امتنعت بعض الدول والشركات عن سداد فواتير شراء النفط الخام والمشتقات البترولية. وامام هذه التحديات برزت مواقف بطولية ومشرفة قام بها مكتب لندن التابع لمؤسسة البترول الكويتية، برئاسة عبد الصمد العوضي وناصر السالم نائب رئيس شركة البترول العالمية. وتحملت هذه المجموعة مسؤوليات جساما واعباء كبيرة لا توصف، من بينها استمرار تشغيل المصافي الكويتية الخارجية وتزويدها بالنفط بعد توقف تصدير النفط الكويتي، وشراء النفط من السوق العالمية، ومتابعة زبائن تخلفوا عمدا عن دفع قيمة شراء النفط والمشتقات البترولية، ورصد جميع الناقلات التي تحمل النفط والمشتقات البترولية، خاصة بعد محاولة سرقة النفط الكويتي وبيعه محملاً على ظهر سفينة تدعى Huda حاول قبطانها بيع الشحنة المقدرة 1.2 مليون برميل وقيمتها حوالي 48 مليون دولار. واستطاع العوضي والسالم بفضل العلاقات القوية التي تربطهما بالصناعة النفطية العالمية استعادة الحق الكويتي. كل تلك الجهود كانت تهدف الى التأكيد ان الحكومة الشرعية الكويتية قائمة، وتؤدي واجباتها، وتمارس مسؤولياتها في المحافل الدولية.
بعد التحرير مباشرة كانت محطات توليد الكهرباء وتحلية المياه والمصافي متعطلة، لا يمكن تشغيلها بسبب اعمال التخريب وعدم توافر النفط الخام نتيجة حرق الآبار. وقام فريق من شباب «التسويق العالمي» بشراء العديد من شحنات زيت الوقود من الخارج، وابدت شركات نفطية عالمية تعاونا كبيرا لتحويل بعض الشحنات المتجهة الى سنغافورة للكويت، الامر الذي وفر الكثير من الوقت والمال، وسرّع تشغيل محطات الكهرباء والماء المتوقفة.
ولّد حرق آبار النفط كارثة بيئية كبرى لم يشهد العالم مثيلاً لها الى اليوم، وشاركت فرق اطفاء دولية عديدة في إطفاء 727 بئرا مشتعلة من اصل 1080 بئرا. وكان عامل الزمن مهماً جدا في اطفاء الحرائق لتقليل التلوث البيئي وتقليص كميات النفط والغاز المشتعلة والمنسكبة، واطفئت اخر بئر في نوفمبر 1991، لتتكون بحيرات نفطية عددها اكثر من 1800، وكان بقاء البحيرات على سطح الارض بكميات ضخمة يشكل خطرا جسيما. وتولت مؤسسة البترول مع شركة نفط الكويت التنسيق والتعاون لاعادة الانتاج من جديد بشكل تدريجي، حيث بيعت اول شحنة نفط بعد التحرير في يوليو 1991، كما بدأت مجموعة من شباب «التسويق» بينهم عبد الامير النجدي وعبد الله الاربش وكاتب المقال بيع نفط البحيرات في شهر سبتمبر 1992، فكانت هذه التجربة واحدة من التحديات الكبيرة التي واجهت قطاع التسويق ببيع نفط بمواصفات متغيرة كل مرة اطلق عليه تسمية Weathered Crude.
لا نتمنى ما حدث للكويت وهي دولة صغيرة ان يحدث لاي دولة اخرى، كيف نستفيد من دروس الماضي ونحمي بلادنا ونبني مستقبلاً زاهراً؟ ان تكرار الحروب في هذه المنطقة بالذات، بدءاً من الحرب العراقية الايرانية مروراً بحرب تحرير الكويت وحرب تحرير العراق والحروب الحالية في اليمن وسوريا، ومحاولة جر المنطقة الى حرب جديدة مع ايران، هي ليست وليدة الصدف والظروف، فكل هذه الحروب في نهاية المطاف لم تخدم مصالح دول المنطقة بعد مرور قرابة 30 سنة. واليوم بحكمة القيادة السياسية تسعى الكويت الى بناء الثقة وتعزيز العلاقات مع كل الجيران والمحيط الاقليمي والعالمي، وبهذه الحكمة الراشدة سنحقق الاستقرار السياسي والاقتصادي وازدهار الدولة.

عبد الحميد العوضي

خبير متخصص في تكرير وتسويق النفط

15

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات