«أهلك أعلم بك»، مثل واضح المعنى، فمن الطبيعي أن يكون الأهل هم أعلم الناس بطباع أبنائهم، وهو مثل أطلقه أبو الأسود الدؤلي على صبي من الأنصار يدعى لقمان، ووراء هذا المثل حادثة طريفة.
فيقال إنه كان لأبي الأسود الدؤلي دكان ضيّق إلى صدر الجبل يجلس فيه وحده، ويضع كل يوم بين يديه مائدة ممتلئة بأطايب الطعام، فيدعو إليها كل من يمر به، إلا أنه، ولضيق الدكان، فلا مكان لأحد كي يجلس ليشاركه وليمته، فينصرف عنه.
وحصل أن مرّ به صبي من الأنصار، فقال له أبو الأسود: هلم إلى الطعام يا فتى، فأتى إليه، فلما لم ير موضعاً يجلس فيه فقام بما لم يقم به أحد قبله، فقد حمل المائدة بما عليها من طعام ووضعها على الأرض، ثم التفت إلى الدؤلي قائلا: إن كان لك في الغذاء حاجة فانزل، ثم أقبل الصبي على الطعام يلتهمه التهاما، حتى أتى على كل ما على المائدة، إلا لقمة سقطت من يده على الأرض فسارع بأكلها قائلا: لا أدعها للشيطان.
عندها رد عليه أبو الأسود الدؤلي، قائلا: والله ما تدعها للملائكة المقرّبين، فكيف تدعها للشياطين، ثم سأله: ما اسمك؟ فقال الصبي: لقمان. فقال أبو الأسود، ما أصبح بعد مثلاً: «أهلك أعلم بك»؛ إذ سموّك بهذا الاسم، ولم يعد أبو الأسود إلى ما كان يصنع بدعوته لكل من يمر بدكانه.
* * *
وهناك حكاية طريفة، حصلت بين الدؤلي وطليقته التي تغلّبت بحجتها عليه، رغم فصاحته وغزارة علمه وتبحّره في اللغة والنحو، فقد تخاصم أبو الأسود الدؤلي وطليقته في ابن لهما أراد أخذه منها، فتحاكما إلى زياد بن أبيه وهو بالبصرة، فقالت المرأة: أصلح الله الأمير، هذا ابني كان بطني وعاءه، وحجري فناءه، وثديي سقاءه، أكلؤه إذا نام، وأحفظه إذا قام، فلم أزل كذلك سبعة أعوام حتى كملت خصاله، واستوكفت أوصاله، فحين أملت نفعه، ورجوت دفعه، أراد أبوه أن يأخذه مني كرها.
فرد أبو الأسود مدافعا: أصلحك الله أيها الأمير، هذا ابني حملته قبل أن تحمله، ووضعته قبل أن تضعه، وأنا أقوم عليه في أدبه، وأنظر في أوده، أمنحه حلمي، وألهمه علمي، حتى تحكم عقله واستحكم فتله. فردت طليقته: لقد صدق، ولكنه حمله خفا وحملته ثقلا، ووضعه شهوة، ووضعته كرها. فقال زياد: والله وازنت بين الحجتين، وقارنت الدليل بالدليل، فما وجدت لك عليها من سبيل، وقضى بالولد لها.
وقفة هذه المرأة الشجاعة هو إثبات بأن المرأة قادرة بالحجة والإثبات على الحصول على أحقيتها في أولادها، حتى وإن كانت أمام أبي الأسود الدؤلي، الفقيه والمحدّث عالم النحو المشهور، صاحب الحجة القوية.

* ملحوظة: منقولة من التراث بتصرّف كبير.

طلال عبدالكريم العرب
talalalarab@yahoo.com

 

 

تعليقات

التعليقات:

WhatsApp
اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات
    view tracking