بعد الحرب العالمية الثانية وما تسببت فيه من كوارث ومآس لشعوب أوروبا خاصة ولشعوب العالم من ويلات راح ضحيتها ملايين البشر، وقد استعملت أميركا فيها القنبلة الذرية لأول مرة في العالم، بإلقائها على جزيرتي هيروشيما وناغازاكي اليابانيتين، أبادت فيها مئات الآلاف من البشر الأبرياء.. وقد أدى ذلك الى تداعي شعوب العالم لإقامة منظمة لضبط تصرفات الدول، من خلال وضع ميثاق يدعم القانون الدولي، كمحاولة تمنع تكرار ما حدث في الحربين العالميتين الأولى والثانية، فوضع «ميثاق هيئة الأمم المتحدة» عام 1945، وذلك بعد فشل عصبة الأمم، التي انشئت سنة 1919، في منع حدوث الحرب العالمية الثانية، وقد بلغ أعضاء الدول المنضمة إليها اليوم 193 دولة مستقلة.
ويدعو مثياق هيئة الأمم المتحدة بصورة أساسية الى تحقيق الأمن والسلام في العالم، وحل النزاعات الدولية بالطرق السلمية، والاعتراف لشعوب العالم بتقرير مصيرها، وتعزيز احترام حقوق الانسان والحريات الأساسية للناس جمعياً من دون تمييز بسبب الجنس أو اللغة أو الدين.
إلا أنه وبكل أسف، يبدو أن أحلام الصهيونية العالمية تصطدم بكل هذه المبادئ، لأنها تعمل على الهيمنة على دول العالم، وفرض إرادتها السياسية والاقتصادية، وإعلان حكومتها العالمية، وهو ما يتجلى في إقامة الكيان الإسرائيلي كقاعدة متقدمة لتحقيق أحلامها في الشرق الأوسط أولا، ثم الوثوب الى الشرق الأقصى، وفي سبيل تحقيق ذلك فهي لا تعبأ بكل مبادئ ومواد مثياق هيئة الأمم.
وقد احتلت دولة فلسطين سنة 1948، وشردت شعبها، وانتهكت حقوقه وسامته أسوأ العذاب والقمع.. ويساعدها على ذلك الإدارة الأميركية بما تتمتع به من قوة عسكرية واقتصادية تمارس من خلالها كل السبل للضغط على دول العالم للخضوع لإرادتها ونهجها السياسي، لدرجة أصبحت قادرة على اخضاع أغلبية أعضاء هيئة الأمم المتحدة للوقوف الى جانبها، وهي تخترق أسس وقواعد مثياق هيئة الامم ونصوص القانون الدولي، فبدلا من العمل على تحقيق الأمن والسلام في العالم، تعمل على نشر الحرب وبيع السلاح وإثارة النزاعات بين دول العالم، مثلما حدث ويحدث في العراق وسوريا ولبيبا واليمن، واليوم في فنزويلا وأميركا اللاتينية.
وبدلا من الإقرار لشعوب العالم بتقرير مصيرها، فهي تتدخل لفرض إرادتها على شعوب العالم ونهب مواردها ومقدراتها، وبدلا من العمل على إقرار حقوق الإنسان والحريات الاساسية للناس من دون تفرقة بسبب الجنس او اللغة او الدين، فهي تنسحب من المنظمات التابعة للامم المتحدة المتخصصة في ذلك ما لم تسيّرها وفق هواها، وتقوم بانتهاك حقوق الإنسان، وتؤلب الشعوب بعضها على بعض بإثارة النزاعات بدلا من المساهمة في حلها. إن هذا التمرد من قبل أميركا والصهيونية العالمية ما لم يواجه عالمياً بتضامن دول العالم بدلا من الانصياع له، فإن هيئة الأمم سيكون مصيرها نفس مصير عصبة الأمم.

مصطفى الصراف

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات