على مدى عقود عديدة، ظلت أميركا تعمل جاهدة على إضعاف الدول الرائدة في منطقة الشرق الأوسط، والهدف الرئيسي لهذه السياسة هو تكريس سيطرتها على دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، والسيطرة بشكل أساسي على مواردها.
بالإضافة إلى ذلك، فإن الهدف من هذه السياسة هو خلق ظروف مواتية من أجل سلام ورخاء الحليف والشريك المهم الوحيد لوشنطن ربيبتها إسرائيل.. فقد ساهمت واشنطن في عام 1978 باتفاقيات كامب ديفيد التي أصبحت الأساس لتوقيع معاهده السلام المصرية - الإسرائيلية في عام 1979.. ومن خلال ذلك، لم تصبح واشنطن قادرة فقط على تأمين الحدود الجنوبية لإسرائيل، ولكن أيضاً لتحقيق عزل مصر عن العالم العربي، ما أدى إلى تقويض سلطة القاهرة، وكذلك محاولة إضعاف مواقفها السياسية والاقتصادية في المنطقة وفي العالم بأسره.
ومقابل ذلك، ضمنت أميركا لمصر ملايين الدولارات من المساعدات الاقتصادية والعسكرية، التي كانت ولا تزال تستخدم كأسلوب للضغط السياسي.. وهكذا، فإن المساعدات العسكرية الضخمة لمصر من واشنطن جعلت من المستحيل عملياً على مصر المشاركة في أي عملية عسكرية من دون تنسيق مع البيت الأبيض، سواء عملية هجومية أو دفاعية.
وفي الوقت نفسه، وللحفاظ على مثل هذه الآلية الملائمة للتأثير على مصر، تسعى أميركا إلى تقييد مصر من الوصول إلى سوق السلاح غير الأميركي، ليس فقط للاعبين المهمين مثل روسيا والصين، ولكن أيضاً لحلفائها في الناتو.
وبدورها، فإن ما يسمى «المساعدة الاقتصادية» لمصر من الولايات المتحدة من خلال برامج مختلفة قامت بها الوكالة الأميركية للتنمية الدولية USAID عززت موقف حزب الإخوان المسلمين في مصر وخلقت ظروفاً مواتية لانقلاب 2011 من قبل الإخوان المسلمين.
في الوقت نفسه، لم تحاول واشنطن أن تدافع عن حليفها الطويل الأمد في المنطقة الرئيس حسني مبارك، بل طلبت منه الاستقالة، معلنة تحرك الإسلاميين ضد الحكومة المصرية الشرعية.
أثبت هذا الحدث بوضوح موقف واشنطن تجاه حلفائها وشركائها الإقليمين مثل مصر، وكذلك العراق، لذلك يجب على الدول العربية أن تأخذ هذا بعين الاعتبار عند النظر في مسألة تعميق علاقاتها مع الولايات المتحدة والانضمام إلى المبادرات والمشاريع الأميركية.
وفي الوقت الحاضر، تعمل واشنطن بنشاط على الترويج لمبادره إنشاء تكتل عسكري سياسي جديد قائم على دول الخليج العربي ومصر والأردن (ما يسمي بـ«الناتو العربي» أو التحالف الاستراتيجي للشرق الأوسط)، والذي من المفترض أن يصبح دفاعاً موثوقاً ضد التهديدات المنبثقة من إيران ومنظمات إرهابية مختلفة.
ومع ذلك، فإن واشنطن، التي أبدت قلقاً مماثلاً لشركائها العرب، تتجاهل مصالح مصر الوطنية الأمنية، ولا تقر فقط بالاعتراف بالإخوان المسلمين، بل تمارس أيضاً ضغوطاً سياسية واقتصادية على القاهرة لضمان إطلاق سراح الإسلاميين الذين شاركوا في انقلاب عام 2011. لذا، يجب أن نتذكر أن هذا «البناء العسكري» في إطار التحالف العسكري والسياسي الجديد الذي سبق بيان أبعاده في اتفاقيه كامب ديفيد ستتم محاولة تنفيذه وفقاً للنموذج الأميركي «بعبارة أخرى، ربما يؤدي الانضمام إلى هذا التحالف إلى تقييد الدول الأعضاء من تنويع موردي الأسلحة وجعلها تعتمد بالكامل على واشنطن، التي قد تسخدم الإمدادات العسكرية والأمنية لفرض خطها السياسي على حلفائها.. مع الأخذ بعين الاعتبار المنهج الذي أعلنته الإداره الأميركية الحالية لتخفيض تكلفة أمنها الخارجي، حيث ينبغي أن يقع العبء المالي الرئيسي في الحلف العسكري والسياسي الجديد على الدول العربية».
بالإضافة إلى ذلك، من أجل خلق مثل هذا التحالف، فمن المحتمل أن تطلب أميركا من حلفائها إغلاق قضية التسوية الفلسطينية - الإسرائيلية بما أطلق عليها «صفقة القرن» التي ركزت عليها واشنطن، وفي مواجهة رفض الدول العربية قبول مثل هذا الاقتراح الأحادي الجانب، فإن الإدارة الأميركية لا تعتزم فقط إعادة النظر، ولكنها تبحث عن طرق ممارسة الضغط المناسب على حلفائها لفرض حلها الخاص للنزاع الفلسطيني - الإسرائيلي وتوفير الأمن لإسرائيل.

مصطفى الصراف

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات