الفقد! تلك التجربة القاسية التي تفطر القلب وتخنق الروح، وتزج بنا في غياهب الحزن والحنين والغضب والاكتئاب. فقد إنسان أو وظيفة أو مال أو مكانة، فقد ما كنت تظن أنك لن تعيش من دونه.
كيف نتعامل مع تلك المشاعر الخانقة والمسيطرة! أول خطوة هي الاعتراف بها ومراقبتها ومن ثم عيشها وفهمها لتتجلى حكمتها. أولى مراحل الفقد هي الانكار! لا نصدق أو نتقبل ما حصل. نرفض قبول الحدث وننتظر عكسه: الميت لم يمت والراحل سيعود مهما تأخر الوقت، اخطأوا في قرارهم وأنا عائد لهم، فهم لا يستغنون عني أبدا! الغائب سيطرق الباب معتذرا راغبا في العودة، ولا مانع من أن أطرق الباب الذي أغلقه في وجهي. أساء الفهم أنا متأكدة!
وبعد برهة من الوقت، قد تطول أو تقصر، تبدأ مرحلة الاعتراف بالحدث وإدراك أن الراحل لن يعود والمفقود لن يرجع، هنا تبدأ مرحلة الغضب والرغبة في الانتقام وأيضا نقد الذات وجلدها: كله خطئي، لو اهتممت أكثر لتداركت الوضع، أنا لا أستحقه وكنت سبب رحيله.. إلخ من تهيؤات تظهر كمال المفقود ونقص الفاقد!
لتبدأ بعدها مرحلة التقبل وإدراك أن كل ما حصل ما كان ليخطئني وأن البلاء حق والصبر دواء، وما من قمة إلا يليها واد والعكس صحيح. وما تجلت السعادة إلا بعد الحزن، وما العسر إلا واليسر قرينه، لا سابقه ولا لاحقه!
لتبدأ مرحلة التعافي والتشافي وبدء مرحلة جديدة لتدرك أنك عشت وتعلمت وتجاوزت وقمت بعد سقوط لتخطو خطوتك الأولى في عالمك الجديد وتجربتك الجديدة.
مراحل الفقد والتشافي قد تطول وقد تقصر وتتراوح شدتها لعوامل عدة، أهمها سرعة اعترافك وقبولك وإيمانك أن هناك حكمة ودرسا مما حصل، وأن لك مكانا في هذا العالم فلا تتتازل عنه.
لو كان خيرا لبقي ولو كان لك لما وجد مكانا في دفاتر الماضي، ولما نزل عند محطة أكملت أنت مسيرها! تيقن، أن في أحيان كثيرة، تتدخل قدرة الخالق ليغير مساراً كنت تظنه خيراً، ولكن باطنه السوء وغرورك أو غفلتك ستؤخر قرارك.
انطلق وانفض غبارك وانهض من جديد.

رولا سمور
Rulasammur@gmail.com
www.growtogether.online

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات