بعد الحرب العالمية الثانية تدمر الاقتصاد الأوروبي، وساد الكساد في الدول الأوروبية، وانتشرت البطالة والفقر بشكل واسع، مما خلق تربة خصبة لانتشار المبادئ الشيوعية، كما رأى ذلك الأميركيون فكان لابد للولايات المتحدة الأميركية، صاحبة أقوى اقتصاد في العالم آنذاك، وهي التي لم تتضرر كثيرا من الحرب، لأنها لم تدخلها إلا في آخر مراحلها، أن تنتهز تلك الظروف وتطرح ما سمي مشروع مارشال، لإعادة بناء ما دمرته الحرب من مصانع أوروبية وبنية تنموية، فاقترح وزير خارجية أميركا آنذاك، الجنرال جورج مارشال، سنة 1947 مشروعا سُمي باسمه «مشروع مارشال»، وكان هو نفسه رئيس هيئة أركان الجيش الأميركي أثناء الحرب العالمية الثانية، وقد استجابت سبع عشرة دولة أوروبية لمشروع مارشال، وعقدت اجتماعا لدراسة الفكرة في باريس بدعوة من رئيس وزراء بريطانيا وفرنسا، وهذه الدول هي بريطانيا وفرنسا وألمانيا الغربية وبلجيكا وهولندا وايطاليا وسويسرا والنمسا والدنمارك والسويد والنرويج وايرلندا وايسلندا والبرتغال واليونان وتركيا، وقد رفض الانضمام الى هذا المشروع كل من الاتحاد السوفيتي وبولونيا وتشيكوسلوفاكيا، وقد تقدمت تلك الدول السبع عشرة بخطة الى الخارجية الاميركية وتبناها الرئيس الاميركي هاري ترومان في 3 أبريل سنة 1948، وأنشئت «المنظمة الأوروبية للتعاون الاقتصادي»، التي تحولت لاحقا الى منظمة «التعاون الاقتصادي والتنمية»، وكلفت هذه المنظمة الأوروبية الى جانب «إدارة التعاون الاقتصادي» من الجانب الاميركي، وقام الجانبان بالتنسيق لتوزيع الإعانات والقروض، وبما أن الدولار كان سيد العملات، فقد نجحت أميركا في تحقيق سيطرتها عن طريق الاستثمارات وشراء المشاريع القائمة في تلك الدول مقابل وعود بالتسديد بالدولار، ومقابل اعطاء الدائنين شهادات بتلك الوعود، فقامت برامج الاعمار العملاقة التي جعلت أوروبا واليابان بمصانعها وشركاتها وأسواقها بلدانا تابعة يقتسم الاحتكاريون الاميركيون منافعها وأرباحها، أخذا بالاعتبار أن المخصصات الاميركية لم تكن تكفي لإعادة الإعمار، بل هي كانت الجزء الأصغر من التكاليف، أما الجزء الاكبر فقد وقع على عاتق الشعوب في أوروبا واليابان، وحتى الجزء الاميركي الصغير لم يكن من خزائن الاحتكاريين الاميركيين، بل كان من مدخرات المودعين والمساهمين الاميركيين الصغار، ومن دافعي الضرائب، ومن بعض المصارف الاميركية المستفيدة، فالاميركيون لم يوظفوا من جيوبهم ما يستحق الذكر، ولكنهم من خلال هذا المشروع ربطوا اليابان والدول الاوروبية باقتصادهم، وحقق ذلك على الصعيد السياسي جبهة لمواجهة المد الاشتراكي أو الشيوعي، وما زالت براثن ذلك المشروع مغروزة في الجسد الاوروبي والياباني رغم محاولات الجنرال شارل ديغول للخلاص من هيمنة الرأسمالية الاميركية الضاغطة، ويبدو أن الحرب التي تشهدها المنطقة العربية، والتدمير الذي لجأت اليه أميركا في العراق وسوريا وليبيا واليمن، قد فاق قدرات أي دولة على إعادة الاعمار، وستبرز أميركا بمشروع مماثل لمشروع مارشال بحجة إعادة الاعمار للهيمنة الاقتصادية والسياسية على المنطقة أبد الدهر.

مصطفى الصراف

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات