منذ بداية الستينات ومع بروز المحافظين الجدد، عملت أميركا جاهدة لخلافة الاستعمار القديم في الشرق الأوسط، بداية ما يسمى مشروع روغرز لملء الفراغ، وما تلته من سيناريوهات أخرى حتى ما تعمل عليه اليوم الذي أطلق عليه «صفقة العصر»، ولكون أميركا دولة عظمى ولديها القوة العسكرية الضخمة فهي قادرة على تحقيق مكاسب عسكرية لخدمة مخططاتها السياسية، ولكن الملاحظ أن ما تحققه من مكاسب عسكرية سرعان ما تفقده بسبب سوء إدارتها السياسية، وعدم الوضع في اعتبارها أوضاع وظروف الشعوب التي تحاول استعمارها، وجعل نفسها بديلاً عن الاستعمار القديم، فالاستعمار الاستيطاني لم يترك تلك الدول والشعوب التي كانت واقعة تحت هيمنته بمحض إرادته، بل أُجبر على مغادرة تلك الدول بسبب نضال شعوبها المستمر، ورغبتها في الحرية والاستقلال بشؤونها، ولذلك فإن هذه الشعوب والدول سرعان ما تتبيّن خطأ سياسة أميركا، وسوء تعاملها معها في إدارة شؤونها بسبب ما تبديه من صلف وتعال وابتزاز لثرواتها، اعتماداً على قوتها وهيمنتها، فتعيد إلى ذاكرة الشعوب سوء معاملة الاستعمار القديم، وبصورة أكثر وقاحة، وعدم اكتراث لكرامة الشعوب ومصالحها، ما يجعل هذه الدول والشعوب تعمل جاهدة على التخلّص من نفوذها السياسي والعسكري مثلما حصل في باكستان والعراق وتركيا، وإذا كانت أميركا قد نجحت في زرع قواعدها العسكرية في كثير من الدول، فإنه مع استمرار سياستها المتبعة اليوم، وتعاملها مع هذه الدول، فسيجعلها لا تستمر طويلاً، فقد أصبح واضحاً أن هذا التعامل ليست فيه مصلحة لهذه الشعوب، بل سوء تعاملها وسطوتها ونظرتها الفوقية، وعدم الاكتراث بمصالحها قد طفح على السطح، وطغت مظاهر الهيمنة والابتزاز على تصرّفاتها، وعلى خلاف ما كانت تردده من أنها راعية للحريات والديموقراطية زوراً وبهتاناً، كما أن كل السيناريوهات التي صاغتها لتكون سبباً لوجودها باتت دليلاًَ ثابتاً على نواياها السيئة للشعوب الأخرى، وصار جلياً حرصها وعملها الدؤوب لتحقيق الأحلام الصهيونية في تفكيك المنطقة، ومسح هويتها مهما كلف ذلك شعوب هذه المنطقة.. وهي تسعى اليوم لإقامة سكك حديدية وطرق سريعة تمتد من تل أبيب وحتى بحر العرب، مروراً بدول الخليج لإسناد قواعدها العسكرية في المنطقة عند اللزوم.
إن شعوب المنطقة قد أصبحت اليوم أكثر وعياً، وغير قابلة للهيمنة الاستعمارية، ومهما بلغت أميركا من قوة في السلاح، فإنها لن تستطيع فرض نفسها بالقوة لزمن طويل في مواجهة الشعوب المقهورة.

مصطفى الصراف

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات