منذ حرب عام 1973 التي حقق فيها الجيشان العربيان السوري والمصري انتصاراً ساحقاً ضد العدو الصهيوني، لولا مسرحية الدفرسوار وقرار السادات بوقف الحرب، ما أخل بموازين القتال مع الجانب الصهيوني على الجانب السوري، الذي بقي وحيدًا في مواجهة الكيان الصهيوني.
ولقد مضى أنور السادات في طريق السلام مع الكيان الصهيوني، ما أدى إلى نقل الجامعة العربية من جمهورية مصر إلى تونس، وبدأت مسيرة التشرذم العربي بين الذهاب مع السادات أو الإبقاء على عدم الاعتراف بالكيان الصهيوني، ولا شك أن لمصر الدور الأكبر المؤثر في العالم العربي، ومهما كانت نظرة النظام العربي من الصلح مع الكيان الصهيوني، فإن الشعوب العربية وفي مقدمتها الشعب المصري بقيت رافضة للاستسلام، وهو ما كان مانعًا قويًا أمام الأنظمة العربية، وما زال الشعب المصري رافضًا لاتفاقية السلام التي أبرمها السادات وسار عليها خلفه حسني مبارك، ولم يجرؤ أي نظام آخر من الاعتراف بالكيان الصهيوني المحتل سوى المملكة الأردنية الهاشمية بحكم جوارها، وبقيت سوريا الوحيدة من الدول المحيطة بإسرائيل لم تلن عقيدتها ولم تستسلم، رغم الضغوط التي مورست عليها عربيًا وأجنبيًا.
ولما فشلت كل الضغوط على سوريا لإرغامها على السلام مع الكيان المحتل، لجأت الصهيونية العالمية ممثلة في أميركا إلى افتعال ثورة ضد النظام السوري الممانع، جمعت فيها كثيراً من المرتزقة محليًا وخارجيًا، وأمدتهم بالسلاح وبالدعم المادي والسياسي، لتخلق منهم معارضة لتكون مبررًا لها في تدخلها لإسقاط النظام السوري الممانع، واستحداث نظام مطاوع، لكن لأن الشعب السوري مقتنع بقيادته، فقد التف حولها وساندها في التصدي لتلك الأقلية المغرر بها، وفشل التخطيط الصهيوني وانتصرت سوريا في هزيمة التحالف اللاشرعي المكون من كل دول الاستعمار الغربي، وها هي سوريا اليوم تداوي جراحها، وتحتضن أبناءها ممن غرر بهم، ويبقى ذلك الوجود اللاشرعي للقوات الأميركية على أرض سوريا التي تتحجج بأن وجودها يرتبط بالقضاء على الإرهابيين، في حين أنها هي من أدخلتهم ومولتهم، وتقوم اليوم بحمايتهم، وهذا لم يعد مستغربًا من أميركا التي بُنيت سياستها الخارجية على الخداع والكذب، ومناصرة الأنظمة الدكتاتورية والقمعية، وفي الوقت نفسه تصف نفسها براعية الحريات والديموقراطية وحقوق الإنسان، وتنادي بوضع دستور لسوريا خارج إطار إرادة الغالبية العظمى للشعب السوري لكي يتسنى لها صياغته وفق هواها، وليس بما يقره الشعب السوري، لكن كما كانت سوريا نظامًا وشعبًا في حالة ثبات على مواجهة الاستعمار الصهيوني، فهي اليوم أشد صلابة في مواجهته بعد ما حققت من انتصارات، وقد أيقظ هذا الانتصار الروح العربية القومية لدى كل الشعوب العربية التي بقيت يتيمة بعد رحيل جمال عبدالناصر، لقد فرضت الشعوب العربية إرادتها على النظام العربي، ونستبشر خيرًا في قادم الأيام بنهضة عربية شاملة للأمة العربية بعد إنهاء الاحتراب بينها الذي فرضه الاستعمار الصهيوني، وكما كانت نهايته في سوريا سيكون ذلك بداية نهايته في البلاد العربية الأخرى.

مصطفى الصراف

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات