إنها لَغنيمةٌ وكنز عظيم أن تعرف أسرار نفسك ومفاتيح قيادتها.. وبلا شك فإن الذي يكشف لك اسرارها هو خالقها وصانعها.. «ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير».. ولعل أهم أسرارها قوله تعالى «قد افلح من زكّاها، وقد خاب من دساها».. هنا يخبرنا ربنا عز وجل بسرّ خطير في التعامل مع أنفسنا وإدارتها؛ فهي كأنها شخص آخر تقوم بتأديبه، وتصوير المجاهدة والتزكية بالتدافع بين اثنين هي معلومة قيمة تساعدنا في فك شيفرة الانتصار على النفس، فهو صراع بين متضادين: الخير والشر، الصلاح والفساد، فإن تغليب الخير ونصرته في النفس يجعلها في سمو وفي رُقيّ.. يجعلها شفافة صافية يصلها وينفذ إليها النور، وتبصر النور، وانعكاسات عناصر الجمال فيها تصبح اكثر بريقاً واشراقاً.. وكم يطرد هذا الصفاء كل كدر في النفس فيجعلها مهيأة لكل جميل من قول أو فعل.
إن عملية ادارة النفس وصياغتها عملية تراكمية من المجاهدة إلى أن تصطبغ هذه النفس بما تعودت ورُوضت عليه، فإن كانت بالخير صارت إليه وان كانت بالشر والقبح صارت إليه.. وما أجمل ان تصير إلى صبغتها وفطرتها التي فطرها خالقها عليها.. يقول ربنا: «صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة» (سورة البقرة).
دخل عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) على ابي بكر الصديق (رضي الله عنه) وهو يجذب لسانه يمده ويجره، فقال له عمر: «مَهْ (كُف) غفر الله لك»، فقال أبو بكر الصديق: «هذا الذي أوردني المهالك». سبحان الله! هكذا كان يؤدّب الصدّيق نفسه ويذكرها بسلامة الكلام وحسن القول. فما تقوله بلسانك هو طابعك، الجوارح: كاللسان، واليد، والسلوك هي ترجمان لإرادة الإنسان، ومغرفة لما في قلبه، وهو المشاهد المحسوب عليك ايها الإنسان، وهي صبغتك؛ فإن كانت هذه الإرادة خاضعة للحكمة وللعقل كانت النفس حكيمة سعيدة، وإن كانت خاضعة للشهوة كانت نفساً حيوانية شهوانية، وهنا تكمن الثغرة التي يتسلل من خلالها الشيطان ليجر هذه النفس إلى خندقه ويجعلها من خدمهن وحينئذ انفلتت منك نفسك، ولم تعد هي ملكك انت، بل ملكٌ لغيرك، وتلك والله هي أعظم خسارة.

سعاد أحمد الدبوس

 

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات