مساعي ترامب عبث بمقدرات دول الخليج
غيرت منظمة اوبك سياستها الانتاجية اكثر من مرة حتى توصلت الى اتفاق تاريخي في نهاية 2016 مع 11 دولة منتجة للنفط لخفض الانتاج بمقدار 1.8 مليون برميل يوميا، ولرفع اسعار النفط بهدف تحسين اقتصادياتها وخفض معدلات العجز المالي لديها. واصلت اسعار النفط ارتفاعها بفضل التزام الدول الـ 24 المصدرة للنفط، حيث بلغ معدل الالتزام نسبة %107 خلال عام 2017، بينما بلغ معدل الالتزام للعام الحالي حتى نهاية اغسطس نسبة %135، ونتج عن ذلك ارتفاع مستمر لسعر النفط حتى بلغ 80 دولاراً للبرميل في مايو الماضي. وانتقد الرئيس الاميركي دونالد ترامب منظمة اوبك في اكثر من مناسبة لارتفاع اسعار النفط وطلب منها زيادة الانتاج وخفض الاسعار، واستجابت بعض الدول وانخفض السعر الى 73 دولاراً للبرميل بعد بضعة ايام!
وفي بداية الاسبوع الحالي عقدت اوبك اجتماعا في الجزائر بحضور ممثلي 20 دولة من اصل 25 دولة مشاركة في اتفاق خفض الانتاج (اوبك تضم 15 دولة بعد انضمام الكونغو) وقبل الاجتماع بأيام ارتفع سعر النفط الى 80 دولاراً مرة اخرى، ما دفع الرئيس الاميركي للتهجم على اوبك وبأسلوب مستفز قائلاً إنه يجب عليها خفض الاسعار فورا! انتهى الاجتماع بالتزام الدول بمستوى خفض الانتاج %100، وفي اليوم التالي صعدت اسعار النفط الى 81 - 82 دولاراً للبرميل.
فما هي خيارات الرئيس ترامب بعد ارتفاع اسعار النفط على ضوء قرار اوبك الاخير؟
هناك 3 خيارات متاحة:
1. استخدام المخزون الاستراتيجي الاميركي، الذي سبق أن استغل عدة مرات ولأسباب مختلفة. وكان الرئيس رونالد ريغان اول من لوح بضخ مليون برميل من المخزون بعد ارتفاع اسعار النفط عندما اغرقت ايران عمدا سفينة تحمل علم ليبيريا في مايو عام 1984 ابان حرب الناقلات بالخليج العربي، كما ضخ الرئيس بوش الاب كميات كبيرة من المخزون تبلغ 21 مليون برميل تقريباً في عملية (درع الصحراء - اكتوبر 1990) وحرب تحرير الكويت (عاصفة الصحراء - يناير 1991) لخفض السعر من 30 دولاراً الى 19 دولاراً للبرميل. وفي عام 2008 امر الرئيس اوباما بضخ 4 ملايين برميل لخفض اسعار النفط المرتفعة وايضا لخفض العجز في الميزانية الاميركية. فلماذا لا يستخدم الرئيس ترامب هذا المخزون ان كان يعتقد ان الاسعار الحالية تضر بالمصالح الاميركية؟ ولماذا يريد من اوبك فعل ذلك؟
2. التحكم في التصريحات والقرارات بما لا يثير ويؤثر في الاسعار وفي السوق النفطية، مثل اعادة حظر تصدير النفط الايراني وفرض عقوبات على فنزويلا (ثالث ورابع اكبر الدول انتاجا للنفط في اوبك) والتهديد بفرض المزيد من الضرائب والرسوم الجمركية على الدول المستهلكة للنفط مثل الصين ثاني اكبر مستورد للنفط، وتصاعد الخلاف السياسي بين اميركا وروسيا، وكلتا الدولتين من اكبر منتجي النفط في العالم، حيث يصل انتاج كل منهما الى اكثر من 10 ملايين برميل يوميا، اضافة الى الخلافات الاقتصادية السياسية القائمة بين اميركا ودول اخرى منتجة للنفط مثل المكسيك وكندا. كل هذه القرارات تدفع الى رفع اسعار النفط وليس لها علاقة باوبك.
3. الاستمرار في فرض المزيد من الضغوط السياسية والاقتصادية على دول اوبك وعلى الدول المشاركة معها في اتفاق خفض الانتاج مثل روسيا والمكسيك والسودان حتى تذعن للمطالب الاميركية.
من جانب اخر، بلغ الطلب العالمي على النفط العام الماضي 97 مليون برميل يوميا، ومن المتوقع أن يصل الطلب هذه السنة الى 98 مليون برميل يوميا. هذه الزيادة ستدعم اسعار النفط تزامنا مع ارتفاع الطاقة التكريرية العالمية من 83 مليون برميل الى 85 مليون برميل يوميا وتحسن ربحية المصافي. ويقدر الطلب العالمي على النفط العام القادم بـ 100 مليون برميل يوميا مما يعني ارتفاع اسعاره تدريجيا.
تستورد أميركا حوالي7 - 8 ملايين برميل يوميا من النفط الخام منها حوالي 3 ملايين برميل من دول اوبك، وشراء النفط يكلف حوالي 18 مليار دولار شهريا. ويهدف ترامب من خفض الاسعار لزيادة الطلب على شراء النفط عالميا. وبحسبة بسيطة فإن بيع 100 مليون برميل يوميا بسعر 75 دولاراً للبرميل لمدة سنة تكلف 2.7 تريليون دولار، ما سيخلق طلبا متزايدا على شراء الدولار الاميركي ويزيد من قوته امام العملات الاخرى ويزيد من فرص تحسين الفائدة عليه من قبل البنك الفدرالي الاميركي، بينما خفض الانتاج مع زيادة الاسعار قد لا يخدم هذا الغرض وعلى النقيض من الجهة الاخرى فان خفض الاسعار لا يؤثر فقط في ميزانيات دول اوبك خاصة التي تعتمد على النفط كمصدر رئيسي للدخل، بل يؤثر ايضا في قراراتها السياسية والاقتصادية، لذلك فإن طلب ترامب خفض الاسعار يعد عبثا بمقدرات الدول المنتجة للنفط، وبالاخص الدول الخليجية

عبدالحميد العوضي

خبير متخصص في تكرير وتسويق النفط

 

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات