مع بزوغ فجر يوم الجمعة القادم تحل علينا الذكرى الثلاثون للتحرير.. ثلاثون عاماً مضت كالطّيف.. ظهر خلالها جيل جديد لم يحضر تفاصيل الغزو ولا تداعياته.. سمع عن كل شيء من محيطه الاجتماعي ومن الإعلام ومما جادت به المناهج التعليمية والكتب.

الجيل.. وفقاً لابن خلدون يتراوح في الزمن بين الثلاثين والأربعين عاماً.. فهو يرى وفقاً لفلسفته المرتبطة بتاريخه المحلي أن الدولة في الغالب لا تتجاوز في عمرها أعمار ثلاثة أجيال.. إذاً نحن الآن نتحدث عن جيل جديد ومختلف... ظهر وتعلّم.. ومارس حياته ونشاطه في مرحلة ما بعد الغزو.. فما الذي يعرفه هؤلاء عن الغزو؟.. وكيف يمكن أن يكون تقييمهم لمرحلة لم يعاصروها وإنما سمعوا بها.. ولم يعايشوا تفاصيلها، بل التقطت آذانهم ما دار وحدث في تلك المحطة المهمة من تاريخ بلدهم؟ وهل يمكن لأحد أن يتعلّم درساً من أحداث لم يعشها ولم يعاصرها فعلياً؟

لا شك بأن غزو الكويت وتحريرها قد جاءا كحدَث مفصلي طالت آثاره جميع دول المنطقة.. بدءاً بالعلاقات العربية - العربية.. ووصولاً إلى انعكاسه كحدَث على قضايا عربية عدّة.. وبالتالي فمن المتوقع أن تتجاوز تداعياته الكويت لتشمل حدوداً وتضاريس أخرى، والسؤال الذي يُطرَح عند كل ذكرى تحرير: ماذا تعلمت المنطقة وليس الكويت وحدها من الغزو والتحرير؟ وهل من دروس استوعبها شباب المنطقة سياسية كانت أم اجتماعية أم اقتصادية؟.. وهل شكّل غزو الكويت وتداعياته ثقافة أو وعياً جديداً لدى جيل ما بعد الحدَث.. أم أنه عبر عبوراً خاطفاً.. وانقطع بذلك وبانتهاء الحدث كل ما رافقه من تفاصيل وتداعيات؟! أسئلة كثيرة نطرحها في كل ذكرى للغزو أو التحرير.. لكنها تبقى مفتوحة بانتظار من يملأ الفراغات فيها.

لقد عبرت المنطقة بسلسلة حروب متتالية منذ فجر الثمانينات.. لم تتوقف فيها آلة الحرب والدمار.. ولا يزال العديد من تلك الحروب قائماً بأسبابه.. بينما ترزح المنطقة تحت تداعيات ما انتهى من تلك الحروب في ساحات المعركة وبقي عالقاً في سماء الأحداث، ومع ذلك لا يبدو أن المنطقة بدولها كافة قد استوعبت الدروس بشكل صحيح، وذلك على العكس تماماً مما حدث في أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية.. حين أدرك زعماء الدول فيها ضرورة وضع إطار للتعاون المُشتَرَك، والذي يضمن ترابطاً بين الدول الأوروبية وشعوبها يكون بمنزلة الضامن لعدم عودة الحروب، فجاءت خطة وزير الخارجية الفرنسي حينها، والتي تُوّجَت عام 1951 بتوقيع ألمانيا وفرنسا على «اتفاقية الحديد والصلب»، وذلك بهدف استبعاد هذين المعدنين من دائرة الحروب.. ثم تقابلت الأمم الأوروبية في عام 1952 ضمن إطار الألعاب الاولمبية الشتوية، ومن بعدها بطولة العالم لكرة القدم في سويسرا لتتداعى فيما بعد محاولات التقارب بين الدول الأوروبية، والتي توّجها نمو اقتصادي مشترك شكّلَ رادعاً فيما بعد أمام نشوب أي حرب.

لا نريد أن نُحلّق بعيداً بأحلامنا.. فمن الصعب أن تشهد منطقتنا في ظل حروبها المؤلمة.. ما شهدته أوروبا بعد حربين عالميتين.. فبالإضافة الى اختلاف الظروف والثقافة في كلا المشهدين.. هنالك تقاطع مصالح لدول وأطراف خارجية في حالتنا تُمسِك بخيوط كثيرة من اللعبة السياسية في المنطقة.. لذلك سيبقى دورنا محصوراً في التوعية والتنوير اللذين بإمكانهما خلق أجيال قادرة ومستعدة لإحداث التغيير باتجاه المستقبل.

ستمر إذاً على الكويت عاصفة التحرير كما مرت سابقاتها.. لن يطرأ جديد.. لأنه وببساطة لن تستطيع الكويت وحدها أن تحقق هذا «الجديد»، فالتغيير الذي لا يتجاوز الحدود لا يعتبر تغييراً.. وأول الدروس التي تعلمتها ألمانيا بعد الحرب هو أن تصبح جزءاً لا يتجزأ من أوروبا.. وشريكاً ديموقراطياً.. ومن يومها وقفت كل أوروبا في وجه كل الحروب. وهكذا تكون قد نجحت أوروبا من حيث أخفقنا نحن.. فجميع المؤشرات تؤكد أننا جميعاً وبلا استثناء لم نتعلم من الغزو.. ولم نُدرك دروس التحرير وعِبَره.

سعاد فهد المعجل

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات
    view tracking