عجز الميزانية لن يختفي بجرة قلم أو قرار ارتجالي (1 - 2)

لدينا مشكلتان: الأولى مالية، وهي فورية ومُلِحَّةٌ. والثانية اقتصادية، وهي جوهرية ولكن أطول مدى. وهناك خلط مزمن بينهما، ما ربما يفسّر ضبابية الرؤية وفشلنا في التوصل إلى حلول طوال السنوات الماضية.

يهدف علم الاقتصاد إلى البحث عن كيفية ادارة الموارد المحدودة لتحقيق أكبر عائد ممكن. ولأن المجتمعات تختلف من ناحية مواردها، وقدراتها، وظروفها، فإنه من الصعب تطبيق حلول واحدة مشابهة لجميعها، مما يتطلب تصميم خطط اقتصادية مختلفة لكل مجتمع. ومن هذا المنطلق، فإن التخطيط الاقتصادي، بمنزلة المخطط المعماري الهندسي الذي يصمم المبنى خصيصاً ليتناسب ورغبات واحتياجات وقدرات سكانه (أي حسب المجتمع والاقتصاد)، وبأقل تكلفة اقتصادية.

فَمُهِمَة الإدارة الاقتصادية، رسم وتصميم كيفية عمل الاقتصاد على المدى الطويل، ومن ثم مراقبة أدائه وتطويره وتصحيح أي انحرافات، وتغيير ما لا يتناسب مع الظروف المستجدة.

ومشكلتنا الاقتصادية في الكويت كلاسيكية ومتكررة في الدول ذات المورد الواحد، وبإضافة إليها نظامنا الاقتصادي الريعي، تتضاعف المشكلة. فاقتصادنا مبني على إيرادات النفط التي تؤول للدولة ومن ثم توزع على الشعب على شكل رواتب قطاع عام، ومشاريع ومشتريات للقطاع الخاص.

ولأن اقتصادنا لا ينتج سلعا أو خدمات تحل محل السلع والخدمات المستوردة من الخارج، ولا ينتج سلعا أو خدمات تصدر للخارج، فلا يمكن الاعتماد عليه لتوليد إيرادات ضريبية تغطي احتياجات ميزانية الدولة، ولا يمكن الاعتماد على القطاع الخاص لامتصاص الفائض الضخم من موظفي الدولة، أو الجيوش المقبلة على سوق العمل.

الحل الوحيد هو فطم المواطنين والقطاع الخاص عن ضرع أو مشيمة الدولة المالية. وهذا لا يتم إلا بتشجيع نمو العمل الحر أو الانخراط للعمل في القطاع الخاص (ضمن خطة اقتصادية). ولكن هذا أمر صعب ويتطلب وقتاً طويلاً، بالإضافة إلى مداراة ودعم مالي ومعنوي كبير. كما يحتاج صلابة عند التطبيق، وقدرة على صد المقاومة القوية والطبيعية لتغيير النمط الريعي المريح الذي استمر سبعين سنة.

المشكلة المالية:

الأمور المالية تتعلق بالمحاسبة وإدارة الإيرادات والمصاريف حسب المخطط الهندسي (الاقتصادي) المرسوم. أي أن هذه المهمة تشابه مهمة مقاول البناء الذي عليه بناء المبنى حسب المخطط التصميمي ضمن الميزانية المخصصة له – مع مساحة محدودة جداً لتغيير المواصفات.

ووظيفة الإدارة المالية، ضبط المحاسبة وتوفير التمويل الكافي للخطة الاقتصادية وللميزانية، ولكن بشرط ألا تؤثر على، أو تعطل، أو تغير الخطة الاقتصادية.

ومشكلتنا المالية كذلك كلاسيكية، بمعنى أن مصاريفنا أعلى من إيراداتنا. وقد ازدادت خطورتها باستمرار نمو المصاريف وتقلص الإيرادات، مما سَرَّعَ في تفاقم عجز الميزانية لينتهي الآن بضائقة مالية لدى الدولة وشح في سيولتها النقدية. وهذا أطلق العنان لهلع الحكومة حول كيفية سداد التزاماتها، وأطلق هلعا لدى المواطنين حول استمرارية مستوى الرفاه الذي تعودوا عليه.

ولأن العادة قد جرت على تغطية عجوزات الميزانية من مدخرات الدولة (الاحتياطيات) فقد بدأ الأمر ينذر بإفقار البلد. وبالرغم من خطورة الوضع، تم اختيار أسهل طريق: ألا وهو الاقتراض من الأسواق العالمية. 

الحلول الاقتصادية والمالية

حيث ان لدينا مشكلتين، فمن البديهي أن نحتاج حلين مختلفين: اقتصادي ومالي. ولكن في جميع الأحوال، لا بد من الانتباه إلى «جيب المواطن» الذي من المفروض ألا يمس قبل مس جيوب الفئات الأكثر ثراءً، مع اليقين بأنه في النهاية، سيساهم الجميع ولو بدرجات متفاوتة للمحافظة على الوطن.

أولاً: الحل الاقتصادي: الخطة الاقتصادية للكويت غير واضحة وغير مكتملة، وما زالت في مرحلة تصميم منذ سبعين سنة تخللتها أفكار جيدة وغير جيدة، ومنها ما طبق ومنها لم يطبق. يجب الآن التركيز على إعادة تقييم الوضع وإضافة ما يتماشى حقاً والمعطيات المحلية والعالمية المستجدة، ويتناسب وقدرات البلد المالية والبشرية. والمهم هنا ملاحظة أن قطف ثمار أي خطة اقتصادية يتطلب وقتاً طويلاً، ربما يتراوح بين 5 و10 سنوات أو أكثر. لذلك من الضروري الابتعاد عن الأحلام بأن عجز الميزانية سيختفي بجرة قلم أو قرار ارتجالي، وانما الاستعداد لاستمرار مستوى المصاريف المرتفعة، خصوصاً الباب الأول وبعض الدعومات، لسنوات طويلة. لذلك من الحكمة التخطيط لتوفير التمويل اللازم إلى أن يبدأ ظهور ثمار الخطة الاقتصادية. وبغير ذلك، سنستمر بالانتقال من أزمة إلى أخرى.

ثانياً: الحل المالي: لا شك في أن الأزمة المالية الحالية ملحة وضاغطة وتتطلب حلولاً تفرز نتائج فورية، ويفضل ألا تحمل بطياتها مخاطر غير مدروسة. أما الأزمات المالية اللاحقة والناتجة عن تمويل فترة السنوات العجاف قبل إثمار الخطة الاقتصادية، فهذه أيضاً تحتاج حلولاً ولكن مختلفة. (تفاصيل الحل في المقالة المقبلة).

مروان سلامة

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات
    view tracking