لم أكن راغباً في الاستمرار في المناوشات مع نصوص الدستور، بعد أن سجلت أكثر من خمسة مقالات حول ثقل المعاني فيه وابتعادها عن روحه، ولم أكن ممارساً للتجني وإنما مطلعاً على سجل التجربة البرلمانية الكويتية، التي ابتدأت في الستينيات من القرن الماضي. وباستثناء الفقرة الأولى من التجربة، شهدت التجربة عواصف متواصلة حملت الكويت أعباء أزمات فوق طاقتها أحياناً وأضعفت قواها ووضعت قيادتها في حيرة شبه متواصلة، لجأت فيها إلى تعطيل الدستور مرتين، ليس بالاختيار وإنما لحتميات الظروف، التي خدعت صدام حسين متصوراً بأن الكويت جاهزة للسقوط في أحضانه، مستغلاً خلافات داخلية من إفرازات تعليق الدستور، فتوهم بانعطاف شعبي كويتي يذعن لطموحاته.

وما دفعني لكتابة هذا المقال عن أسراب الملائكة في الدستور الكويتي هو ما سجله الوزير السابق الفاضل راشد الفرحان، في مقال نشرته صحيفة «القبس» في 14 فبراير الجاري، وأبدى ملاحظات لا شك أنه اعتمد في تدوينها على ما شهده خلال عضويته للمجلس وتوليه وزارة الأوقاف أوائل السبعينيات.

والدكتور راشد الفرحان يملك خبرة تعطي مواقفه الأهلية والشرعية، في فترة كان مسار البرلمان أكثر واقعية وقراراته قابلة للتنفيذ، ولم تتبلور بعد حدة المواجهة بين الحكومة والمجلس، ولم تتعطل الدولة، بآمالها وخطط تنميتها، ولم يتسيد الشلل الأجواء السياسية، كل ذلك جاء بعد الستينيات، مع حدوث تبدلات جوهرية في الجسد الانتخابي، ومع تصاعد الأعداد الانتخابية وضعف قوة التلاقي الفكري، ووهن الترابط السياسي الداخلي الذي كان مبعث الوحي لولادة الدستور.

في هذا المقام، أود تسجيل بعض الملاحظات، رغبة في الدقة وفي الايجاز:

أولاً: أتحدث عن واقع اليوم مسجلاً أيضاً بأن الكويت لن تخرج من الشلل السياسي المتكاثف، وأكبر المسببات أن الحكومة مهما سيكون شكلها القادم لن تتمتع بأغلبية تؤهلها لتنفيذ خطط التجديد وبرامج التطوير ومشاريع البناء وتجاوز ضغوط الاختناق، فلا توجد حكومة تتمكن من السير قدماً ما لم تقم على ثقة الأعضاء الذين يتّحدون في نظرتهم مع المنظور الحكومي، وهو أمر غير متوافر، فلا تقدم ولا تحول في العلاقات بين السلطتين، ومن دون ذلك تبقى الأمور كما نشاهدها.

ثانياً: خرج الدستور الكويتي من بطن الثقة المطلقة في نوايا النواب، والقناعة بالأريحية الوطنية الطاغية التي تحركهم، ومن الإيمان بغيرتهم على سلامة الوطن، ومن حجم طموحاتهم للانطلاق بمسيرة التجديد والتحديث، ومن تشابك وحدتهم وصلابتها.

كان الشيخ عبدالله السالم مؤمناً بحتمية المشاركة الشعبية في القرار الوطني، ومؤمناً بأن النخب السياسية التي عاصرها الشيخ الجليل، تحمل التوجهات نفسها التي سيتخذها بنفسه لمستقبل الكويت، وكان معتمداً في هذه القناعة على التصاقه بالنخب وتفاعل هذه النخب مع آرائه التي وقف عليها مجتمع الكويت خلال تجربة عام 1938، ومنها تعرف الشعب الكويتي على نزعة التحديث والتطوير التي يريدها الشيخ عبدالله السالم للكويت.

ثالثاً: لا شك بأن المسيرة النيابية تعرضت لانتكاسات أضعفت من الوهج الإعلامي اللامع الذي رافق مسارها في السنوات الأولى، والسبب أنها تجربة مفتاح نجاحها يتحقق من التوافق الحكومي البرلماني، فإذا تعطل هذا التوافق برز الشلل على جميع مقومات الدولة، في اقتصادها ودبلوماسيتها وحيويتها الداخلية.

وكشفت التجربة من خلال الممارسة أن الحدود التي تفصل بين صلاحيات السلطتين غير قادرة على صد بعض الطموحات، التي كانت تتمثل في مقترحات من بعض النواب تشكل سطواً على صلاحية الحكومة، وأن بعض هذه المقترحات لا تتفق مع الخط التقليدي المرسوم لسياسة الكويت، سواء في علاقاتها الخارجية وفي حساسيتها الداخلية.

رابعاً: تصاعدت مشاعر الضجر من الجمود الذي أصاب جميع مفاصل الدولة، وأوقف انجازاتها، وسبب تعطل خطط الدولة يعود إلى أن البرلمان يعارض الإجراءات التي تنوي الدولة اتخاذها لمعالجة العجز المالي ويرفض إضافة أعباء، ويعمل على تكييف خطط المستقبل وفق مرئيات الأعضاء، فلا تجديد في الجهاز الإداري ولا مس في قواعد التوظيف، مع بروز حقائق برلمانية تجسدت في نواب الوساطات والمخالفات، في فرض الأنصار وقواعد القبيلة على حساب المؤهلات والكفاءة، كل ذلك أضر بالمذاق البرلماني وخيب الأمل في العدالة الدستورية.

خامساً: لن تتحرك الكويت نحو فنون التحديث من دون التآلف البرلماني الحكومي، ولن يتحقق هذا التآلف من دون أغلبية تساند الحكومة، وهو أمر صعب، فلا بد من وقفة وطنية تتشكل من جميع أطياف المجتمع، النواب وأصحاب الرأي والمنظمات الأهلية، لاستخراج طريق مستقبلي واقعي، ولن يتحقق أي تقدم إذا تسيد الوضع الحالي واقع الكويت..

سادساً: لا يفيد الكويت التكرار حول قدسية الدستور، فلا توجد مصلحة للكويت في تجذير القناعة بأن الدستور لا يمس، فالدستور وثيقة إجماع نحو التكاتف والتطور، فإذا لم يتحقق لا التكاتف ولا التطور فلا مفر من بحث عن بدائل في صياغات جديدة، تتحاشى نقاط الضعف التي ظهرت من التجربة، لاسيما في اللائحة الداخلية التي تؤمن لنائب واحد استجواب الوزير، فلابد من جعل الاستجواب بطلب من عشرة نواب.

سابعاً: لا يمكن سجن الكويت في صيغة جامدة، المهم أن ينظر الدستور نحو الجانب العملي ويحافظ على حق المشاركة الشعبية والمحاسبة ويؤمن للإرادة الوطنية للتواجد في صياغة القرار، ويغلق المطبات التي أعاقت الكويت، والأهم ضبط آلية التشاور مع أبناء الشعب وممثليه بالقضايا الكبرى للوطن..

طاقة الشعوب لا يمكن جعلها حبيسة في قنوات جامدة، فمكانها الانطلاق بالتجديد نحو الأحسن، هكذا تطورت الشعوب في حياتها الديموقراطية، تتجه نحو الإرادة الشعبية في استفتاءات عامة يشارك فيها الجميع، فالمهم أن تتواجد الفاعلية والابداعية المتجددة وصون الشرعية الدستورية، فالمعادلة السياسية في الكويت هي «ثنائية» تاريخية مستدامة غير جامدة، مرنة، تتكيف مع المستجدات محلياً وعالمياً.

دستور اليوم يتطلب نواباً من أسراب الملائكة الذين يتفوقون على النزاعات الفردية والقبلية، ويسخرون أنفسهم وبكل ما يملكون للوطن، وسؤال، من أين نأتي بهذه الأسراب؟ ومع الاستحالة، فلابد من واقعية علاج الشلل الدائم.

ترشيح أبو الغيط.. للجامعة العربية

أعادت حكومة مصر ترشيح الأمين العام الحالي للجامعة العربية، السيد أحمد أبو الغيط، لفترة ثانية، ولا توجد اعتراضات على ذلك، فالجامعة العربية منذ تجرؤ صدام حسين على ارتكاب جريمته في غزو الكويت عام 1990 ليجد من بين الرفقاء أعضاء الجامعة من يؤيده، ومن يخجل من معارضته، ومن يخاف من تهديداته، ففي ذلك اليوم المشؤوم في تاريخ الجامعة، سقط مفهوم الردع العربي الأخلاقي، وسقطت هيبة النظام الأخلاقي العربي الجماعي، وتلاشت تبادلية الثقة بين الدول الأعضاء، وفقدت الجامعة وقراراتها روح الصدق وصفاء الأمانة، وتسيدت الأجواء السريالية مداولاتها، وغابت عن قراراتها الجدية واختفت منها المصداقية.

وبصراحة لا الجامعة العربية ولا الدول الأعضاء توقفت للتأمل في حجم الفجيعة الأخلاقية والدمار المعنوي، ولم تتولد مبادرات لإحياء شيء من الروح التي تفتتت، ودائماً تذكرني وفودها في المنتديات الإقليمية والعالمية بما كان يردده زعيم بروسيا «فريدريك الأكبر» بأنها فرقة موسيقية من دون آلة..

هذا الواقع لم يخلقه أبوالغيط، ولا من سبقه، لكنه حتى الآن لم يبحث عن الآلة التي تعيد إلى الجامعة العربية عذوبة موسيقاها، اقترحت عليه عقد مؤتمر للعلاج، فاعتذر لضعف الميزانية..

الوضع القيمي السياسي والمعنوي للجامعة يحتاج إلى حياة مستجدة، لعل المستقبل يوفرها..

عبدالله بشارة
[email protected]

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات
    view tracking