المتعبون

عبدالوهاب الملوح* - 

من غير المعقول أن تبدأ القصيدة بعين مفتوحة؛

الشرفات المعلقة ندبات يتدلى منها سعال الذاكرة،

الجدران تسعل بدورها

ويعدو النهار معطوبا

أنا المعطوب

مازلت أتدرب على النقصان

ألهو بعمري دمية وفي كل مرة أهشمها بعصي علامات إعراب الايديولوجيات البائسة.

أيها الظل تنح عن صوتي واتركه يتفسح قليلا في صمته؛

أيها الحاضر لا تطل النظر في الماضي فأنت منذ اللحظة ماض؛

أيها الوهم لا تقس على مخيلة العتبات

فالمتعبون لا يطرقون باب الكلام بل يمضون في تعبهم خفافا، تتسع حدقاتهم لأحزان الأشجار وعرق العتمات

يمشون وهم يدندنون أغنيات فاسدة لمجرد تسلية الهواء فالدموع المكسورة لا تنطفئ مثل ومضة برق

ومن عادة القصيدة أن لا تفتح عينيها لأحد،

هكذا.. هكذا يمضي المتعبون مثقلين بخطاهم المتكسرة يخشون على حصى الطريق من أنفاسهم

يجلسون بين الممرات المتداعية لأعضائهم

لا يحلمون بأي شيء ولا حتى براحة الأوطان

يرفقون بالعشب الذي أهملته السماء

يرضعونه عرقهم وحليب نظراتهم

ويمضون لا شيء قدامهم

لا شيء خلفهم

يقتفون أثر العصافير بعد نفاسها

يصعدون تلالا منسية في حدقات رعاة مهجرين مع خرافهم بين فصول معطوبة

المتعبون لا يطرقون باب أحد

فكل الآخرين لا يعرفون معنى التعب

وحدها القصيدة بعينها المغمضتين توجز فكرة الألم.

* شاعر ومترجم تونسي

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات
    view tracking