برنار ستيغلر: «كوفيد - 19» ليس سوى تحذير صغير

عبدالرحيم نور الدين

يعتبر الفرنسي برنار ستيغلر من أبرز فلاسفة التقنية، وأحد مفكري الثورة الرقمية الكبار. نقدم الجزء الثاني من لقائه مع «لومانيتي»، الذي تناول فيه جملة من المشاكل العلمية والأزمات، التي أدت في النهاية إلى الجائحة التي هددت العالم.

● أنت تقول إن الرياضيات لا يمكن أن تتنبأ بمصير الكائن الحي. ما الفكرة التي يجب أن نكونها عن النماذج التي تنبهنا إلى آثار الاحتباس الحراري؟

برنار ستيغلر: النظام المناخي ليس نظاماً حياً، إنه نظام بيئي من الكائنات الحية. يتعلق الأمر بالتوازن بين القوات البرية والقوات البحرية والقوى الحية. في هذا المجال، فإن الإحصائيات المتعلقة بعلم الوراثة السكانية تمكن من وضع توقعات موثوقة. فيما يتعلق بالمناخ، نحن نتحدث عن كيمياء الأرصاد الجوية، وهو حقل توجد فيه نماذج تقترح تنبؤات ينبغي أخذها في الحسبان. أما بالنسبة للتنوع البيولوجي، فإن فقدان %60 من الأنواع في قرن واحد ليس توقعًا، بل هو معطى واقعي، للأسف. وعندما نوسع منحنيات فقدان التنوع البيولوجي وندمجها مع مظاهر أخرى، مثل ارتفاع درجة حرارة الغلاف الجوي واستنزاف الدبال، ونقص المياه، يمكننا أن نرى الكارثة التي لا يشكل كوفيد-19 سوى تحذير صغير منها.

عناصر تحليلية للعقل

● هل ينبغي التخلي عن استخدام الأداة الرياضية؟

برنار ستيغلر: ينبغي تمييز الرياضيات عن الحساب، الذي ليس سوى بُعد واحد فقط لهذه المادة. منذ القرنين السادس عشر والسابع عشر، مع ما يسمى الفيزياء الحديثة، جعلت الجبرنة من الممكن تطوير أدوات رياضياتية للحساب قصد استخدامها في علم الفيزياء، وهو ما كان في أصل التكنولوجيا الحديثة، وما أدى إلى دعم البحث في حقل الرياضيات، بحوث مقتصرة تقريبًا بما يرتبط بالحساب... وليس بالهندسة مثلا.

إنه خطأ فادح. كان الإبستيمولوجي الكبير إيمانويل كانط يوضح أن ملكة المعرفة قائمة على الحدس، الذي ينتج التجربة (مثل ملاحظة النجوم باستخدام التلسكوب)، والفهم، الذي يتيح التصنيف والوصف والصورنة من خلال الحسابات، والخيال، الذي يجعل من الممكن ربط بيانات الخبرة بالمفاهيم التي ينتجها الفهم، وأخيراً، العقل الذي يشكل بالنسبة لكانط ملكة اتخاذ القرار.

مع العلم أن ما يجعل في المستطاع الحسم، لا يمكن اختزاله أبدًا في الفهم الذي يوفر عناصر تحليلية للعقل، وفقاً لكانط، لا يمكن أن ينتج القرار عن حساب بسيط. تم تبني هذه الفكرة في بداية القرن العشرين من قبل عالم الرياضيات والفيلسوف الإنكليزي، ألفريد نورث وايتهيد، الذي أوضح أن وظيفة العقل هي تمكين الإنسان من تغيير العالم لتصحيح آثار ما ينتجه في العالم. إن ذلك مستحيل التحقيق بالحساب!

الانهيار الصحي

● ومع ذلك، فإن قانون السوق مؤسس حصرياً على حساب اقتصادي مستهدف لتعظيم الربح.

برنار ستيغلر: نعم، وعلاوة على ذلك، لقد أكد المناهضون للماركسيين ذلك في عام 1947، خلال المؤتمر الذي نظمه فريدريك هايك في مون بيلران Mont-Pèlerin، في سويسرا، معتبرين الدولة كمهجور قديم يجب ان يمحى تماماً أمام سوق أكثر كفاءة. توجد العقيدة النيوليبرالية التي وضعت اقتصاد البيانات في خدمة هذه الأيديولوجية، في حالة فشل. برهن وصول Covid-19 على ذلك: تأتي هذه الأزمة بعد سنة إضراب قام به موظفو المستشفيات، الذين استنكروا التدمير المتعمد للنظام الصحي الفرنسي. والحال أننا صرنا نمتلك الدليل على أن القطاع الخاص لم يجند كل طاقاته لمواجهة استنفاد المستشفى العمومي لطاقته الاستيعابية. لقد تم التضحية بحماية المجتمع على مذبح الربحية. إنه جنون، بمعنى أنه حتى لو تجاوزنا الجانب الإنساني، ليس عقلانياً إذا ما قسناه بمقياس المصلحة الجماعية. في منطقة سين سان دوني، حيث أعمل، نحتاج إلى قوة عمومية لحماية الناس والعناية بهم. إذا لم نفعل ذلك، فسوف ينهار المجتمع ككل.

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات
    view tracking