ماذا لو اختفت الحشرات ؟

سليمة لبال

يخشى الباحثون المتخصّصون في علم الحشرات من تراجع أعداد هذه الكائنات الحية الصغيرة في العالم، خلال السنوات المقبلة، ما يهدد السلاسل الغذائية والنظام البيئي العالمي، على حد سواء.

وكشفت دراسات حديثة، بحسب صحيفة لوتون السويسرية، عن تراجع عدد الحشرات في العالم بنسبة تتراوح بين 1 و2 في المئة سنوياً؛ بسبب السياسات المتبعة في عمليات التعمير وتحضير الأراضي للزراعة.

في الواقع لسنا بحاجة لأن نكون خبراء في علم الحشرات، حتى نلاحظ اختفاء هذه الكائنات الحية. فكل شخص تجاوز الثلاثين منا، يمكن أن يتذكر الزمن الذي كنا نعثر فيه على كثير من الحشرات مسحوقة على زجاج السيارة كلما ابتعدنا عن المدينة في جولة قصيرة، لكن زجاج سياراتنا اليوم نظيف، بسبب غياب هذه الحشرات التي كان يعج بها الهواء.

وبعيدا عن هذه الملاحظات الشخصية، تشير عدة دراسات الى تراجع عدد الحشرات، إذ لفت ملف نشرته المجلة العلمية الاميركية PNA منتصف الشهر الجاري الى التهديدات التي تؤثر في الكائنات الحية. استنادًا إلى نتائج ندوة، جمعت أفضل المتخصصين في هذا المجال. وكان لهذا العمل صدى أيضًا لانه اعتُبر، دعوة للحفاظ على هذه الكائنات الحية غير المحبوبة والتي لا نستطيع الاستغناء عنها.

دراسة ألمانية مدوّية

يبدو وضع كثير من أنواع الحشرات حرجا للغاية، وذلك منذ بضعة أعوام. ففي 2017، أشارت دراسة نشرت نتائجها في مجلة Plos One العلمية إلى أن عدد الحشرات الطائرة سيتراجع بنسبة 75 في المئة في غضون 25 عاما في 60 محمية طبيعية في المانيا.

وبعد عامين، كشفت دراسة اخرى نشرت نتائجها في مجلة Conservation المختصة في البيولوجيا أن 40 في المئة من انواع الحشرات وفصائلها تواجه خطر الانقراض خلال العقود القادمة.

ويقدم ملف مجلة PNAS الذي تضمن 12 مقالا علميا كتبه 50 مختصا في علم الحشرات نظرة عامة عن الحشرات، كما يستعرض وضع بعض الحالات الخاصة مثل الحشرات في كوستاريكا والتي لا تبدو مهددة مثلما قد نتصور، مقارنة بالفراشات التي يشهد عددها تراجعا كبيرا في اوروبا.

ويقول الباحث والأستاذ ديفيد واغتر في جامعة كونيتيكت وهو أحد من شاركوا في هذا الملف إن الوضع خطير للغاية، مضيفا «على الرغم من وجود اختلافات كبيرة بمرور الوقت بين المساحة والسلالات التصنيفية، فإن التقديرات تشير إلى انخفاض أعداد الحشرات في المتوسط بنسبة %1 إلى %2 سنويا». ولفت واغتر الى أن الملف الذي نشرته المجلة العلمية الاميركية PNAS هو عمل يسلط الضوء على هذه الأزمة ويشير الى شدتها.

والوضع مقلق بشكل كبير في المناطق الاستوائية بحسب آن فريتاغ محافظة متحف لوزان لعلوم الحيوانات ونائبة رئيس الجمعية السويسرية للحشرات، لأن هذه المناطق هي التي تزخر بالتنوع البيولوجي، لكن لم تتم دراستها بالشكل الكافي، خصوصاً مع انتشار ظاهرة ازالة الغابات، لذلك تقول إن علينا ان نتوقع الأسوأ بالنسبة للكثير من الأنواع المحلية.

أسباب الانقراض

وتعود أسباب انقراض الحشرات إلى عوامل عدة، لكن أبرزها التوسع العمراني والزراعة، فكل هكتار أرض يتم تعميره أو تحويله إلى أرض زراعية بشكل مكثف يؤدي الى تراجع عدد الحشرات بحسب إيف غونزاسث الباحث في الاكاديمية السويسرية للعلوم الطبيعية. ويمثل الاحتباس الحراري تهديدا كبيرا للحشرات، وإن كانت بعض الانواع في المناطق المعتدلة مستفيدة منه وبدأت تنتشر في مناطق اخرى، الا أن انواعا اخرى مهددة بسبب حاجتها الى اشتراطات خاصة. وتشير آن فريتاغ الى أن تكرار حدوث بعض الظواهر كحرائق الغابات يمكن ان يؤدي الى انقراض بعض الانواع الصغيرة العدد.

السلاسل الغذائية

لقد أدى الوعي الأخير بالمخاطر التي تتعرض لها الحشرات إلى ظهور مبادرات سياسية مختلفة، مثل اعتماد الاتحاد الأوروبي في عام 2018 مبادرة لحماية الحشرات المُلقّحة للنباتات، أو تبني استراتيجية لمصلحة التنوع البيولوجي مثلما فعلت سويسرا مؤخرا. ويقول إيف غونسيث إن الوضع الحالي غير مشجع، لكن يجب أن يدفعنا إلى العمل، لأننا نعرف السلوكيات التي تؤدي الى الحفاظ على مجموعات الحشرات، وذلك من خلال تنويع الهياكل في البيئات الزراعية، حتى يتم التأكد على سبيل المثال من زيادة عددها.

وتؤكد آن فريتاغ أن الحشرات موجودة وتلعب دورا محوريا في العديد من السلاسل الغذائية، كما انها عناصرأساسية في مرونة النظم البيئية في مواجهة الاضطرابات، مضيفة «إن حماية الكائنات الحية الصغيرة تعني حماية الكائنات الأخرى الأكبر، بما فيها الإنسان».

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات
    view tracking