آخر التحديثات عن فيروس كورونا في الكويت

993

إصابة مؤكدة

1

وفيات

123

شفاء تام

حدثت هذه الحكاية في خمسينات القرن الماضي، رواها لي أحدهم من ذاكرته الجميلة من هذه الحقبة البعيدة، يقول انه بينما كان يتجوّل في جنوب الفحيحيل متنزهاً، متأمّلا جمال الطبيعة ومساحات البر «القفر» التي لم تكثر عليها الخطى، مستمتعاً بنسيم عليل وسماء صافية وهدوء مؤنس، وبينما هو في جولته هذه مع تلك الأجواء المنعشة التي تشجّع على الاسترخاء، قرر ان يستريح، مضطجعا في ظل سيارته، وما هي الا لحظات حتى باغته نعاس شديد لم يستطع مقاومته؛ فاستسلم لغفوةٍ لطيفةٍ لذيذة، وما عكر صفو غفوته هذه، الا صوت أقدام ضخمة تضرب الأرض أيقظته من غفوته، واذا بثور ضخم منطلقاً بسرعة فائقة تجاهه يريد مهاجمته، فما كان من صاحبنا إلا أن قفز داخل سيارته، متحصناً بها وقد أمسك «الشوزن» (البندقية)، ناويا اطلاق النار عليه، لكن منعه من قتله، أنه تذكر أن هذا الثور هو سبب الانتاج لقطيع البقر وعامل مهم في التكاثر، فتركه.
رغم قِدم هذه القصة، وقد سمعتها قبل عقدين من الزمن، فإن الذي جعلها تقدح في الذاكرة مجدداً مشاهدتي بعض مجاميع الشباب من فئة ذوي العضلات الضخمة الذين يقضون وقتهم في بناء عضلاتهم، لاهين عن بناء عقولهم حتى غدوا يتجولون في الأسواق ممتلئي العضلات، فارغي العقول والفكر، تلاحق أعينهم ما حرّم الله عليهم، وهذا هو جُل اهتمامهم، ظانين أن هذه هي الرجولة، وغاب عن أذهانهم أنه لو كانت الرجولة فقط بزيادة العضلات لكان الثور أرجلهم، ومتفوقاً عليهم.. فهل هكذا تكون المراجل أو الرجولة؟!
الرجولة أن تكون ذا مبادئ وقيم وثبات في المواقف.. قال تعالى: «منَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ»، حينما أراد الله عز وجل أن يثني ويمدح الثابتين على المواقف أصحاب المبادئ والقيم عبّر عنهم بكلمة رجال، ومدحهم بهذا الوصف. نعم، هكذا تكون الرجولة، أن تكون رجلا يعني أن تكون ثابتاً على الحق لا تهتز، متمسّكاً بقيمك. الرجولة حينما ينتصر المرء على شهوته، حينما يكون قوي الإرادة وصاحب همة عالية، وطموح، ليصنع مجده ويضئ نجمه، مستنيرا بنور ربه. يقول ربنا عز وجل: «فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ. رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ». بيوت الله، المساجد هي مصانع الرجال، فيها ذكر الله، وفيها يُتلى كلام الله، ويستزيد روّادها بنور الله. أما التسكّع في المجمّعات بلا هدف أو معنى، خاوي القيم والمبادئ، يتمطّى، ويتبختر، ويخوض، ويلعب، يحسب أن عضلاته وقوة ضرب أقدامه التائهة، الفاقدة، للبوصلة، اللاهية عن خالقها وربها يظنها انها تجعله رجلاً، فهذا هراء، في الحقيقة ما هو إلا مثل ثور هائج يمضي عمره ويفني شبابه، إلى أن يموت، على هامش الحياة، زهيدا زائدا ليس له أثر، ولا بصمة.
ان الاهتمام بصحة الجسد وقوته محمود ومطلوب، والمؤمن القوي خير وأحب، القوي في الجسم والمنطق، القوي في الإرادة والبُنية، واضح الرؤية والفكرة. أما أجسام كارتونية وعضلات ضخمة فارغة القيم والأهداف متبلّدة الإحساس، عاطلة الفائدة، ميتة الروح فهي مثل السيف الذي يستخدم فقط في رقصة العرضة للتفاخر والتباهي وعند النزال والمبارزة لا تضرب ولا تحمي.. وحينها يطلق عليه «سيف عرضة»، يعني سيف «للعرض»؛ فهو لا يهش ولا ينش.
إن اغتنام الأوقات في ما يفيد، والانتباه لأهمية الانتفاع بالحياة، بما يحقّق لك ذاتك وفلاحك في الدنيا والآخرة، أمر عظيم لا يحتاج إلا أن تقرر بحزم ووعي أن تحرص على ما ينفعك.

سعاد أحمد الدبوس

تعليقات

التعليقات:

WhatsApp
اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات
    view tracking