حين يمرّ عليك مشهد الأحداث والإنجازات والانكسارات التي مرت بالكويت في السنوات الماضية، أو في أي حقبة قريبة من الحقب السابقة، فحتماً تستطيع ذاكرة أي فرد منا أن تستحضر الكثير من الشخصيات، التي ساهمت في هذه الأحداث، وشكّلتها شخصيات ستبدو في الواجهة مرتبطة بشكل مباشر أو غير مباشر بالإنجاز أو الإدارة أو الفساد أو الإصلاح... وغيرها من كل الأمور التي تستطيع أن تطلقها في ذهنك حين تستحضر وصفاً لحالة الكويت.

حتما التاريخ سيكون مُطالباً بشكل مباشر، هو الآخر، بوصف كل ما مرّت به الكويت، لكن في الأغلب هذه المطالبة ستكون معنية بالأساس بالوجوه «الرئيسة». المثير هنا أن هناك وجوهاً ثانوية (غير رئيسة) ستتوارى أعمالها خلف ستار هذا الواقع، وهي أسماء «الصف الثاني»، والتي كانت محرّكة للأحداث؛ إذ سنراها تختفي من سجل الأحداث التاريخية، على الرغم من أنها هي محرّكها الحقيقي والمسؤولة عنها.

هذا بالفعل ما كان يتم في الكتابة التاريخية «التقليدية»، حيث تختفي العناصر المشكّلة للحدث، أو ما يمكن أن نطلق عليه «الخط الثاني» من الفعل، وهي في الأغلب المسؤولة عن مجمل الأحداث؛ ليتحمّل نتائج الفعل من ثناء أو قدح وذم في صفحات التاريخ مَنْ هم في الصف الأول فقط.

يبدو حل هذه المشكلة المعقّدة في الكتابة التاريخية، ممثلاً في ما يدوّنه أصحاب الواقع «المعاش»، والتي تكون في الأغلب عبارة عن تعليقات ومعلومات يتركونها لكتاب التاريخ لاحقاً حول شخوص معيّنين لم يكن المشهد التاريخي سيدوّن عنهم الكثير لولا هذه الإشارات الباقية.

ولعل السيد عبداللطيف الروضان من هذه الشخصيات التي كانت خلف المشهد «التقليدي»، الروضان وهو أمين مجلس الوزراء المتقدم حديثاً باستقالته كان، ولسنوات متعددة، يؤدي هذا الدور المحرّك للأحداث، والصانع لها، على الرغم من أنه يصنَّف في «الخط الثاني»؛ لذا، وحتى لا تمر الأحداث من دون أن تتبقى للمؤرّخين (في المستقبل) مادة تاريخية ومعلومات عن هذه الشخصية، فسوف أترك هذه المقالة لمؤرّخي المستقبل، باعتبارها تعليقاً حول هذا المشهد.

لقد أتى في تصريحه لـ«القبس» حول أسباب استقالته «أنها أتت لإتاحة الفرصة للدماء الشابة»، كذلك قال الروضان في تصريحه عن نفسه في هذا اللقاء المنشور في القبس: «لقد دخلنا بثوب أبيض وخرجنا بثوب أبيض»، هكذا وصف نفسه، وهكذا سيجد مؤرّخو المستقبل هذا الوصف المنشور له في الجريدة، ولكن أعلم أن المؤرّخين لا يهتمون بوصف الإنسان لنفسه بهذه الصفات! المثير أنه، وفي اللقاء نفسه أيضاً، وصف محرر «القبس» السيد الروضان بصفات متعددة؛ سوف أنقل منها لمؤرّخي المستقبل مقاطع، هي: «يتمتع الروضان بجملة من الصفات؛ أبرزها الجدية والإخلاص»، «يتّسم الروضان بأنه متواضع ودقيق ومنظم في عمله بالشكل الذي جعله مستمرا في منصبه طوال هذه السنوات. من عملوا مع عبداللطيف الروضان يؤكدون أنه من طينة أولئك الرجال الذين يفضلِّون العمل خلف الأضواء، ويتقبّلون النقد برحابة صدر، من دون أن يسمع عنه طوال عمله أنه رد على منتقد». عبداللطيف الروضان - أو كما يصفه البعض بـ«الوزير الخفي» - يستحق الثناء والوفاء من الجميع، وهو أكبر من بعض السهام التي وجِّهت نحوه من دون وجه حق. (انتهى الاقتباس ــــ «القبس»25/ 1/ 2021).

ولا شك في أن المؤرّخ سيكتشف ان ما قُدّم أعلاه «خبر» صحافي، ومن خصائص الخبر أن يكون صادقاً مقبولاً، أو العكس، وكما هو واضح فإن كل ما قلته حتى الآن لا يتعارض مع ما قدمه محرر «القبس» في تعليقه على استقالة هذه الشخصية.

المهم أن نقول إنه فعلا كان في موقع مؤثر بشكل واسع، والمؤرخون في المستقبل لا بد أنهم سيدركون هذا، وهو ما سيجعلهم قادرين وقتها على الكتابة عن هذه الشخصية التي مثّلت جزءا من أحداث الواقع الكويتي، وكانت مسؤولة عن وجه الكويت وشكلها وواقعها (طبعاً جزئياً) بحسب دوره، كما وصفته القبس «الوزير الخفي» أو «أمين مجلس الوزراء»، وأقصد مقاييس التطور والاداء الوزاري ونجاح الحكومات، راجعوا كل الأوصاف التي أطلقت على الحكومات السابقة ووزرائها في الفترة التي عمل لها وتذكروا أنه كان «أمين تلك الحكومات». في المقابل، حكمكم على أدوار هذه الشخصية يجب أن ينطلق من الحكم على الأداء الحكومي، وتغيير الوزراء ورؤساء الوزراء، حيث بقيت هذه الشخصية في «الحكومة» مع بقاء كل تلك الأوصاف التي أطلقت على الحكومات التي كان هو «أمين مجلس وزرائها».

فالروضان، وكما أشرنا سابقا، جزء من مشهد وأحداث الواقع الكويتي، وهو مسؤول عن بعض من الأحداث التي شكّلت مسار الكويت الاجتماعي والسياسي والاقتصادي بحكم منصبه، (وإن كان بشكل جزئي بالطبع)، بحسب دوره وموقعه، كما وصفته «القبس» بـ«الوزير الخفي» أو «أمين مجلس الوزراء».

ان الحكم ــــ يا مؤرّخي المستقبل ــــ يجب ألا يكون مما كتبه محرر «القبس» عن هذه الشخصية، ولا حتى ما سطرتُه (أنا)، ولا أقوال عوام الأشخاص، لكن راجعوا كيف وُصِف حال الكويت في هذه الفترة خلال عمل هذه الشخصية في هذا المنصب الحساس.

نعم، كل إنجازات وكل إخفاقات سيكون للمؤرخين حق في ربطها بهذا العصر والفترة، وستبقى للمؤرّخين كلمات سيقرؤونها بين السطور، وسيكون لديهم الكثير من الحرية للتقييم والتعليق وإصدار الحكم على هذه الشخصية وأثرها في التجربة التاريخية الكويتية من حيث ما إذا كان واقع الكويت اتجه للأسوأ والتقهقر والخسائر على كل الأصعدة، حكم التاريخ لا بد أن ينطلق من وصف هذه الفترة، وكيف وصفت إنجازات أو إخفاقات هذه الحكومات المتعاقبة وأثرها في الكويت، سواء نجاحاتها أو خسائرها.

بل إن من أثر واقع هذه الحكومات هذا الشعور العام أنه حتى هذه السطور قد لا أصِلُ من خلالها إلى القارئ بكل تفاصيل وجزئيات المشهد، بسبب أنها كتبت تحت أثر واقع حكومات كانت مهتمة بخلق مشهد (لا يدعم القدرة على التعبير)، بل وحتى لو أمكن تزوير التاريخ الذي سيكتب في المستقبل عن الواقع. إلا أنني متأكد من أن مؤرّخينا في المستقبل سيجدون طريقاً نحو الوصول إلى هذه الكلمات ويستطيعون قراءة ما خُبِّئ بين سطورها وخلف كلماتها، ووقتها سيكون لديهم مزيد من هوامش الحرية لكتابة الحقيقة عن هذه الفترة وشخصياتها.

أ.د. عبدالهادي العجمي

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات
    view tracking