بين الفينة والأخرى، تحلو لي العودة لقراءة مضابط جلسات المجلس التأسيسي 1961، ومضابط جلسات لجنة الدستور المنبثقة منه، التي أعدت مسودة الدستور ورفعته إلى المجلس، حيث تمت مناقشته في جلسات عدة، ثم جرت الموافقة عليه ليصدر دستوراً دائماً للبلاد عام 1962، والذي ما زلنا نعمل بموجبه.

هذه القراءة التي أنصح كل العاملين والمهتمين بالشأن السياسي بأن يقوموا بها بين حين وآخر.

ففي هذه الاجتماعات تتضح الأسس التي أقامها الآباء المؤسسون في صناعة النظام السياسي الجديد الذي تضمنه الدستور، وسارت عليه البلاد منذ الاستقلال إلى ما شاء الله.

ويستطيع المرء أن يلامس الروح الحية للمجتمع الكويتي، آنذاك، والاندماج الواضح بين أبناء الأسرة الحاكمة والشعب الكويتي، والذي على أساسه جرى التوافق السياسي بإصدار هذا الدستور الذي ينطق في كل مفاصله: أن النسيج السياسي الكويتي مترابط وفي نهج واحد، بينه الدستور ومذكرته التفسيرية في مواد تحكي رغبة الطرفين بالتوافق على الحقوق والواجبات لكل الأطراف وتبيِّن بشكل جلي تنازلاً من هنا وتوافقاً من هناك، حيث جاء الدستور عملاً متكاملاً يشد بعضه بعضاً، بحيث قبله الجميع، وتم التصويت عليه برغبة شعبية جامحة، وجاء شعبياً بامتياز، بعد أن طلب الشيخ عبدالله السالم الصباح من أبناء الأسرة في المجلس عدم التصويت عليه؛ ليكون ذلك واضحاً للأجيال القادمة أن هذه المواد الدستورية كلها صدرت عن الشعب الكويتي، من خلال ممثليه بالمجلس عن قلوب محبة وصدور مرتاحة، ثم قام الأمير عبدالله السالم بالتوقيع عليه من دون مراجعة، راضياً بما توافق عليه المجلس وأبناء الأسرة في عرس ديموقراطي ومشهد تاريخي، ما زالت ظلاله وارفة على الكويت.

ومنها أصبح النظام السياسي الكويتي نظاماً «تعاقديا» بين الطرفين.

ولعل الشيخ عبدالله السالم في خطوته هذه، من خلال التصويت الشعبي عليه، أراد أن يزيل أي خلاف أو جدل يثور عليه في المستقبل، وكأنه، رحمه الله، يستشرف الحاضر، وجدل البعض اليوم حول حقوق من هذا الطرف، أو واجبات على ذلك الطرف.

وعلينا اليوم، ونحن نجتهد هنا وهناك ونتجادل على هذه المادة أو تلك، أن نضع نصب أعيننا أن هذا الدستور «متوبك» الصياغة، وأي تعديل ينبغي ألا يمس جوهر صياغته التوافقية بين أبناء الأسرة الحاكمة والشعب، وكلاهما «نسيج واحد» لا يتجزّأ، وحقوق وواجبات متلاحمة لا تنفصل، ورؤية وطنية توافق عليها الطرفان، كُتبت بحروف من نهج وطني صادق، وهي أساس فلسفة الدستور وما يرمي إليه.

وإن الحديث عن الخلل الإداري وقضايا الفساد التي يستنكرها كل إنسان حر ينبغي ألا يطول فلسفة الدستور التعاقدية، ولا نهج التراضي بين أطرافه.

وقد عبّر عن ذلك الشيخ سعد العبدالله الصباح عضو لجنة الدستور، حين قال في الجلسة الثانية للجنة (عدد جلساتها 23 جلسة): «إن الهدف الأساس من وضع الدستور هو حفظ الوحدة الوطنية بين الشعب والحكّام، وليكون الدستور هو دستور الوحدة الوطنية بين الشعب والحكام».

وعقّب عليه العضو حمود الزيد الخالد «إن لنا ظروفنا الخاصة، وإن الهدف الأساس من الدستور هو حفظ هذه الوحدة، كما أنه يجب أن يكون هذا الدستور مثاليا كما سبق أن قلت، وإننا نتحمّل مسؤولية كل الأعمال التي تصدر عنا، ولقد عشنا خلال الفترة الماضية في بحبوحة، وكانت العلاقة بين الشعب والحاكم هي علاقة الوالد بأبنائه، وليست علاقة حاكم أو محكوم».

وسأقوم، بعون الله بين فترة وأخرى، بتسليط الضوء على هذه المضابط، حتى يعرف الجيل الجديد روح الدستور التعاقدية وفلسفته التوافقية، كي لا تطرح قضايا جدلية لا طائل منها، اللهم إلا الخلاف، وزرع الشقاق، وتضييع الوقت في قضايا توافق عليها الكويتيون، دستورا وممارسةً برلمانيةً، نسجتها الأيام لتصبح حقائق وأعرافاً يحب أن تُحترم من الجميع.

فالدستور الكويتي بُني ليكون سدّاً منيعاً لكل العواصف الخارجية أو الخلل الداخلي؛ فهو يحمي الكويت من أي «ربيع عربي خارجي»، أو «خريف محلي داخلي»... والله المُعين والمستعان.

عبدالمحسن يوسف جمال

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات
    view tracking