تضحية الإمام الحسين البطولية الفذّة
إعداد: عمار كاظم

في ليلة العاشر من محرّم الحرام، طلبَ الإمام الحسين (عليه السلام) من الجيش الأموي أن يمهله تلك العشيّة، قائلاً: «إنّا نُريدُ أن نُصلِّي لرَبِّنا الليلة ونستغفرَهُ، فهو يعلمُ أنّي أُحبُّ الصلاةَ له وتلاوةَ كتابِهِ وكثرةَ الدُّعاء والاستغفار». وفي أرهب الساعات وأحرجها، تحل صلاة الظهر في نهار العاشر من المحرَّم، فيطلب الإمام الحسين (عليه السلام) من المعتدين أن يوقفوا عنهم الزحف، حتى يُصَلُّوا لله تعالى. إنّ هذا السلوك يعكس لنا عمق العلاقة التي تربط الإمام الحسين (عليه السلام) بالله سبحانه، ومدى حبِّ الإمام الحسين (عليه السلام) لله تبارك وتعالى. وكان يدعو ربّه تعالى بهذا الدُّعاء: «اللّهُمّ ارزقني الرغبة في الآخرةِ حتى أعرفَ صِدقَ ذلك في قلبي بالزهادةِ منّي في دنياي، اللّهُمّ ارزقني بَصَراً في أمرِ الآخرةِ حتى أطلب الحسناتِ شَوقاً وأفرَّ من السيِّئاتِ خَوفاً يا ربّ». هذه بعض مصاديق العلاقة الروحية بين الإمام الحسين (عليه السلام) وربّه سبحانه وتعالى.
لقد اختار الإمام الحسين (عليه السلام) التضحية أسلوباً له في حركته الإصلاحية الكبرى، إلا أنّ تضحيته (عليه السلام) كانت من طراز فريد لم يعهد من قبل مثيلاً لها في تاريخ الإنسانية. لقد ضحّى (عليه السلام) بكلّ ما عنده لله، صحبه وأهل بيته (عليهم السلام) ونفسه وعياله، إنّ هذا الأسلوب من التضحية لم يكن ليتحقق أولاً، ولا لتتحقق به غاياتها ثانياً لولا إيمان المضحين بأنه هو الجبّار الوحيد، الذي لابد من سلوكه للوصول إلى المُبتغى، وما كان هذا الإيمان بالتضحية محض صدفة، ولا موقفاً ألجأهم إليه القدر، وإنّما كان إعداداً رسالياً، ومنهجاً تربوياً بدأه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) منذ ولادة الحسين (عليه السلام)، ثمّ عمقه الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) في الصفوة من أصحابه، وأحاطه الإمام الحسن (عليه السلام) بعنايته، لتستكمل حلقاته على يدي سيِّد الشهداء الإمام الحسين (عليه السلام). ضحّى (عليه السلام) من أجل الآخرين، من أجل الإنسانية، ضحّى بكل شيء، ضحّى بنفسه، بحياته، بأهل بيته، بأصحابه، بطفله الصغير الذي في عينيه براءة الطفولة ونقاءها. الحسين لم يمت، بل ازداد حياة ونشوراً، إنّه حيّ في القلوب، حيّ في الصدور، اسمه منحوت لا على الصخر بل في القلب، في قلب كل مؤمن، وسيبقى اسمه حيّاً ما دامت الحياة.
إن العظمة هنا إن الحسين (عليه السلام) في هذا الموقف الصعب، الذي يذهل فيه الإنسان عن كل شيء، ويفقد رباطة جأشه نجده يُفكِّر في أعدائه، ويقف فيهم خطيباً ينصحهم ويُوجِّههم ويرشدهم، لعلّ واحداً منهم يعود إلى رُشده ويتوب فيدخل الجنّة. أن يُقتل إنسان في سبيل العدل والحق والحرية فذلك حدث جلل، ولكن أن يُقتل الحسين (عليه السلام) سيِّد الشهداء، فذلك الحدث الجلل الأكبر والأعظم والأضخم.. لأنّه ابن سيِّدة النساء فاطمة الزهراء بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وإنه ابن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، وإنه سبط النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، قال فيه الرسول: «حسين منِّي وأنا من حسين»، «أحبّ الله مَن أحبّ حسيناً». لقد قام الإمام الحسين (عليه السلام) بنهضته في سبيل إحقاق الحقّ ونشر العدالة الإلهيّة والحرّية الحقيقية، ومحاربة الباطل وأهله.. وليكون درساً للحقّ يُقتدى به، فجميع ما عمله الإمام (عليه السلام)، من بذل حياته، وأهل بيته وكل شيء في الدنيا، كل هذا ابتغاء مرضاة الله تعالى، وتطبيقاً لأوامره.
من هنا ينبغي أن يكون إحياء هذه النهضة عبر شعائرها المتنوّعة إحياءً لا يخلو من ذلك الوعي بالأهداف التي حقّقها الإمام (عليه السلام)، فتخيلوا قيمة ما سوف نجنيه من ثمار هذا الوعي. وينبغي لنا هنا أن نستحضر أمرين مهمّين قام لأجلهما الإمام الحسين (عليه السلام)، وهما: «مرضاة الله تعالى» و«تطبيق أوامره»، عندها سيكون الأمر مختلفاً عن أي إحياء عادي، إنّه إحياء مسؤول، يشعرنا بمسؤوليتنا تجاه الله وأنفُسنا ومجتمعنا.

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات