كنت، وكغيري من مواطني العالم العربي من خليجه إلى محيطه، نتابع القمم العربية والخليجية على وقع «وطني حبيبي.. الوطن الأكبر».. و«أنا الخليجي.. والخليج كله طريقي».. نعيش أجواءها مع ما تُبيحه الشفافية في مجتمعاتنا، على أمل أن يتحقّق لنا كمواطنين شيء مما يبثّه الإعلام من وعود بنهضة ووحدة وتنمية وتعاون وغيرها.. تمضي السنوات ومعها القمم العربية ونحن نعيش أمل الانتصارات ووهم التعاون العربي والوحدة الخليجية.. إلى أن دهمتنا المفاجآت بدءاً من غزو الكويت.. إلى الحروب العربية - العربية داخل جغرافيا العالم العربي، لينفرط بذلك عقد الأمل.. وتتداعى حباته في ظل حيرة المواطن العربي الذي يستمر جاهدًا في البحث عن أسباب مثل هذا التدهور والتصدّع الذي يُعيق عبور أحلامه إلى أرض الواقع.. وكيف أن الطرق العربية التي تصورناها سالكة، هي في حقيقة الأمر مُغلقة بحواجز رملية وبراميل وحلقات مُفرَغة، أضاع معها الجميع مفاتيح الأمل والخروج من متاهاتها.

ما يحدث غالباً يلخّص جوهر المشكلة في عالمنا العربي بشكل عام.. وفي الخليج كذلك، وهو أن الشفافية غالبًا ما تكون مُغيّبة أو مرفوضة حين يتعلق الأمر بقضايا حسّاسة تمُس الأنظمة أو الأمن.. فالمواطن - صاحب الشأن الأول في نتاجات اجتماعات القمم ولقاءات الأنظمة - يبقى دائماً بعيدًا عن مشهد الاتفاقيات المُبرَمة والمُصالحات والخصومات، بل وحتى في حالة الحروب التي تقع.. والمشكلة الأكبر هنا أننا كشعوب اعتدنا مثل هذا الغياب للشفافية، حيث أصبح وفقًا لأعرافنا المُتَناقَلة جيلًا بعد جيل شأنًا خاصًا وأمنًا قوميًا لا دخل للمواطن فيه.

لقد شهدت المنطقة حروبًا.. أغلبها عبثي القرار.. حصدت أرواحًا وأموالًا.. وأعادت كل شعوب المنطقة عشرات السنين إلى الخلف.. ومع ذلك بقيت الشفافية مُغَيّبة.. بحيث يُحظر دائمًا تداول أسباب اندلاع تلك الحروب.. وربما لم تكن الحروب وحدها مُدمّرة.. فلقد جاءت كذلك بعض العلاقات والاتفاقيات السرية في المنطقة بشكل قد لا يقلّ تدميرًا.. ومع ذلك يستمر تهميش دور وحق الشعوب في المعلومة.. وفي الاطلاع على قضايا تمسّ أمنه وسلامته بالدرجة الأولى.

كمواطنة عربية.. أتذكر جيدًا مؤتمر القمة في الخامس عشر من أغسطس عام 1990 حين جاهد الحضور من القادة العرب للخروج ولو بإدانة لغزو صدام للكويت.. المفاجأة كانت قاسية علينا نحن في الكويت، خاصة في ظل ما كنا نتلقّاه من أخبار سارّة عند كل اجتماع قمة عربي.. أخبار تتناول حالة الوئام بين الأنظمة العربية والانسجام والتعاون اللذين عادة ما يأتي ذكرهما في البيانات الختامية للقمم.

اليوم العالم في حالة تغيير مستمرة، ولم تعد معها مصادر المعلومة أو النشر أو التعبير مقتصِرة على من يملك آلة الإعلام الضخمة.. بل أصبح بيد فلاح في قرية نائية أن يُحرّك شوارع وشعوباً، وحادثة «البوعزيزي» ليست ببعيدة. وصل مثل هذا التغيير في الشفافية أقصاه في يوم الرابع من أكتوبر لعام 2006.. حين بث جوليان أسانج تسريباته عبر «ويكيليكس».. وهي منظمة التسريبات الأشهر عالميًا.. والتي لم تستثنِ نظامًا ولا حكومة ولا منظمة.. بما في ذلك خزانة أسرار الولايات المتحدة التي ما تزال تطارد أسانج وتتهمه بتهديد أمنها القومي، وليَفتَح بذلك قضية الشفافية على مصراعيها.. ولتَكشف وثائقه حقيقة الكثير مما دار ويدور في منطقتنا.. بدءاً بحقيقة العلاقات بين الدول ومرورًا بمآسي المقابر الجماعية، ووصولًا الى تورّط قيادات سياسية بارزة في قضايا فساد وقتل واغتيالات.

من المؤكد أن العالم لم يعد مُغلَقًا كما كان قبل ثلاثة عقود مثلاً.. فما تزال لمعظم الأنظمة السياسية في عالمنا العربي القبضة الأمنية الأولى.. والرأي الغالب.. لكنها تبقى قبضة بفجوات مُختَرَقة.. يطّلع من خلالها المواطن على حقيقة ما يحدث.. ويسترِق عبر ثقوبها الشفافية الغائبة أو المُغَيّبة، فاليوم أتى أسانج، وغدًا ربما يأتي غيره للوفاء بدوره كرقيب مباشر ومراقب للأحداث بهيئتها الفعلية.

سعاد فهد المعجل

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات
    view tracking