قبل أيام كتبت تغريدة أستذكر بها أحد الأساتذة الذين عاصرتهم، عندما كنت طالبة في جامعة الكويت، ورأيت بأم عيني إهانة طالبة فقط لأنها لم تكن تملك المال لشراء كتابه، رغم أن لديها نسخة مصورة منه، كان ذلك الحدث منذ سنوات طوال، وقد أثر بي كثيراً انكسار هذه الفتاة أمام زملائها، وقد تفاعل مع هذه التغريدة طلبة وأولياء أمور وأساتذة، بعضهم يؤكدون استمرار هذه السلوكيات المعيبة من تعجرف وتمييز وعنصرية واستغلال من بعض الأساتذة لمناصبهم من دون رادع!

ما حدث لا يقتصر فقط على جامعة الكويت، بل هي فوضى تغلغلت في أغلب مؤسسات البلد، وشكلت تلك السلوكيات المعيبة التي تتسم بالجشع والأنانية والتسلط، كما في حالة الأستاذ الذي يستغل منصبه إما لإشباع حاجات نفسية مريضة أو لتعويض نقص ما تعرض له في محيطه المتسم بالفوضى، وفي الأغلب هذا النموذج من المسؤولين نتاج بيئات مضطربة ومتناقضة لا يستطيعون إظهار عضلاتهم إلا على من هم أضعف منهم، في النهاية هؤلاء مجرّد دمى تحركها رواسب نفسية أو مصالح مادية، ولديهم يقين شبه تام بعدم قدرة النظام المترهل من الفساد على وضع ضوابط مقننة ورادعة لكل مستغل ومخالف!

أما هؤلاء من يصمتون عن الدفاع عن أنفسهم وحماية حقوقهم ومناصرة الآخرين المتضررين، هم أيضاً ضحايا لبيئة متسلطة ومغيبة ترى في التفكير النقدي معصية، وفي الاستسلام سلامة، وفي الرضوخ طاعة، وفي النفاق نجاة! وما النظام إلا جزء لا يتجزأ من هذه البيئة، وبدلاً من محاربته تلك السلوكيات غير السوية وهذه الثقافة المدمرة للعقل والنفس، نراه يعيد إنتاج تلك التفاوتات والتقسيمات الاجتماعية، وتعزيز تلك السلوكيات المرضية لحماية نظام اجتماعي معين قائم يضمن بقاء فئة مهيمنة، أو لاستمرار سلطة مسيطرة، والنتيجة هي عدم الاستقرار السياسي، الذي انعكس بشكل سلبي على جميع نواحي حياتنا، وتشعب في أغلب مؤسساتنا، هو خلل عميق يدفع ثمنه المواطن وتحصد ريعه أجيال الغد!

لذلك دوماً ما نسمع عن الفساد من دون أن نرى الفاسدين! وأصبح المواطن، سواء كان موظفاً بسيطاً أو طالباً لا يملك نفوذاً أو واسطة، ضحية لهذا الفساد الإداري القاتل للإبداع، وأسير المنهجية القائمة على قمع الحريات ووأد التفكير النقدي المحفز للوعي، فلا يقوى على أداء دوره في المجتمع كشريك فاعل قادر على تنظيم أموره وإدارة مستقبله.

الخروج من هذه الدوامة المستدامة يتطلب جهوداً مضنية تؤمن بضرورة وأهمية التغيير المستند على دراسات منهجية علمية تُفند الخلل وتضع الحلول المناسبة، والأهم هو تطبيق ما استخلصته تلك الدراسات الميدانية العديدة من حلول واقعية موضوعية، من شأنها حماية مكتسبات أبنائنا وتأهيلهم لقيادة المستقبل، وهنا تكمن المشكلة، وهي بقاء تلك الدراسات والتوصيات الجيدة حبيسة الأدراج بلا فائدة لعدم مواءمتها لتطلعات بعض المسؤولين الذين وصلوا لكراسيهم من خلال المحسوبية والواسطة والغش والتزوير!

نحن في أشد الحاجة اليوم إلى أن نضع اصبعنا على مكامن الخلل دون تحسس وانزعاج، ونسعى لإيقاف توغله ليس بالشعارات وإنشاء المراكز والمؤسسات والهيئات الشكلية لإظهار صورة مزيفة لا تعكس واقعنا المريض من الداخل بموضوعية.

إصلاح خلل اليوم هو حماية لأجيال الغد، وتلك مسؤوليتنا جميعاً.

إيمان جوهر حيات

[email protected]

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات
    view tracking