مُقدمات الكُتب وارتياب دور النشر في القارئ

أحمد فؤاد

لا شك أن للُمقدمات فوائد جمّة تعود على القارئ من مطالعتها قبل الشروع في قراءة نص الكتاب الأصلي. لكن ذلك يعتمد على مدى موضوعية المُقدّمة وهدفها وحجمها وعدم خروجها عن السياق الطبيعي لها.

غالبًا لا تخرج أنواع مُقدمة الكتاب عن ثلاثة أنواع:

مُقدّمة يكتبها شخص آخر غير المؤلف تُسمّى Foreword، وغالبًا يقوم الكاتب فيها بالإشادة بالكتاب والكاتب، لتهيئة القارئ للشروع بقراءة النص بحماس.

مُقدّمة تمهيدية Introduction، يكتب فيها مؤلف الكتاب عن المحتويات وإمداد القارئ ببعض الأفكار التي تُهيئه لاستقبال النص بشكل معين يرغب فيه المؤلف، كما قد يُبيّن الطرق التي انتهجها في استقاء المعلومات وكتابتها وتصنيفها وترتيبها.

مُقدّمة توضيحية Preface يوضح فيها مؤلف الكتاب أسباب كتابته للكتاب والمراحل التي مرّ بها أثناء كتابته، والمشكلات التي واجهها والإشارة إلى أعماله السابقة، وذِكر الأشخاص الذين ساعدوه أو ألهموه.

هذه الأنواع من المُقدمات قد تكون مقبولة إن جاءت في سياقها المُعلن، وأمينة مع هدفها في تحفيز القارئ للانقضاض على النصّ، مُهيّئة له الطريق لرحلة ماتعة دون إفساد تجربته في تكوين انطباع شخصي لما هو مُقبل على قراءته.

لكن المشكلة التي يواجهها القارئ هي أن أغلب مُقدّمات الكُتب، وخاصة الروائية منها، أُخرجت من سياقها وفقدت بوصلتها بحيث صارت عبئًا ثقيلًا على القُراء الذين يُفضّل أغلبهم تجاوز صفحات المُقدّمة، ويثبت ذلك لعنات القُرّاء ممن جازفوا بقراءة تلك المُقدّمات!

أغلب المُقدّمات للأسف تحتوي المُقدّمة معلومات مُفصّلة عن الكتاب وحرقًا لأحداثه (في الكتب الروائية)، وربط بعض مشاهد الكتاب-والتي لم يقرأها القارئ بعد- وكشف تفاصيلها ومدلولاتها مع كُتب أخرى، فيضيع شغف القارئ في خوض رحلته في اكتشاف النص، وتنطفئ داخله رغبته الجامحة لتذوّق لذة المفاجأة بين السطور. فيولّد ذلك شعورًا مُنفّرًا من القارئ تجاه المُقدّمة أو تِجاه الكتاب كله. الاطلاع على آراء الكُتّاب الكبار في النصوص التي نقرأها جميل ومفيد وملهم، لكنه من الضروري أن يحدث بعد أن يكوّن القارئ فكرته الشخصية بمنأى عن أي تأثير مُسبق يرغمه على رؤية مُحدّدة.

يُمكننا أن نرى ذلك في مُقدّمات لكُتب شهيرة مثل مُقدّمة الأستاذ أحمد الصمعي لرواية «اسم الوردة» لإمبرتو إيكو، أو مُقدّمة د. عبدالله إبراهيم لرواية «الساعة الخامسة والعشرون» لقسطنطين جيورديو، أو مُقدّمة الأستاذ نصر سامي لرواية «انقطاعات الموت» لخوزيه ساراماغو، ومُقدّمة يبوتر نيكولايف ترجمة أ. عبدالله حبة لرواية «المُعلم ومارغريتا» لميخائيل بولغاكوف.

هذا لا يعني بأي شكل من الأشكال عدم أهمية هكذا مُقدّمات، وإنما الخلط في طريقة عرضها، والتباس مفهومها هو المشكلة الحقيقية.

يجب على دور النشر -باعتبارها المسؤول الأول والأخير في طريقة عرض الكتاب ونشره - أن تقوم بتجزئة مثل هذه المُقدّمات بحيث تفصل الاستهلال والإطراء والتمهيد للكتاب ليُنشر في بداية الكتاب كمُقدّمة تمهيدية، بينما تنشر تجربة الكاتب أو إلقاء الضوء على جماليات النص أو آراء كبار الكُتاب في الكتاب، وأي محتوى آخر داخل فصل مُنفصل يُنشر في آخر الكتاب يُسمى بالخاتمة أو بتتمة المُقدّمة أو أي عنوان آخر.

يجب على دور النشر أن تثق في القارئ وأن تحترم تجربته في القراءة، وذلك بدلًا من الارتياب غير المفهوم في القارئ. وأن تكون على يقين بأن تعمّد وضع مُقدّمات ضخمة كاشفة للمحتويات في بدايات الكُتب، لن يُجبر القارئ على قراءتها وإنما ستحثّه على تجاهلها.

كاتب وقاص ومدوّن

22 يناير 2021

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات
    view tracking